﴿وَعَنْ أَحْمَدَ رحمه الله تعالى رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ الْفَرْضَ آكَدُ﴾ يعني: بينهما فرق، فالفرض آكد يعني: أشد طلباً وتحرياً من الواجب.
﴿وَاخْتَارَهَا مِنْ أَصْحَابِنَا: ابْنُ شَاقِلاَ وَالْحَلْوَانِيُّ, وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ أَصْحَابِنَا. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنُ الْبَاقِلاَنِيِّ. وَلِلْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِنَا الْقَوْلاَنِ﴾.
واحتجوا بماذا؟ بما ورد من التفرقة بينهما في لسان العرب، إذاً: دليلهم ما هو؟ دليل لغوي وليس بشرعي، والقول الأول دليلهم دليل شرعي، فحينئذٍ يكون مقدماً على غيره؛ لأنه صار له حقيقة شرعية، وما دام أن له حقيقة شرعية فقلنا فيما سبق: أن الحقائق الشرعية مقدمة على الحقائق اللغوية.
واحتجوا بأن الوجوب لغة: السقوط، والفرض التأثير، والتأثير أخص من السقوط، فوجب اختصاصه لقوته حكماً كما اختص لغة، حملاً للمسميات الشرعية على مقتضياتها اللغوية؛ إذ الأصل عدم التغيير، لكن نقول هنا: ثبت التغيير بالنصين السابقين، الذي هو: "يقول الله تعالى: ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه" والحديث الآخر حديث الأعرابي.
إذاً: حصل الفرق بينهما، ثم اختلفوا: من قال بأن الفرض آكد من الواجب، فروي عن أحمد وهو قول الحنفية: أن الفرض ما ثبت بدليل قطعي، وأن الواجب ما ثبت بدليل ظني، والانقسام إلى مقطوع ومظنون لا يقبل خلافاً يعني: لا خلاف بين أهل العلم أن الحكم منه ما طريقه قطعي، ومنه ما طريقه ظني.
قال هنا: ومثلت الحنفية للمقطوع كالصلوات الخمس، وصوم رمضان.
والمظنون كالوتر، فهو واجب عندهم، وزكاة الفطر.
وقيل قول آخر: الفرض ما لا يسقط في عمد ولا فرض، كأركان الصلاة. لا يسقط في عمد ولا سهوٍ، كأركان الصلاة، والحج، والواجب ما يسقط بالسهو كواجبات الصلاة وواجبات الحج، وهي تُجبر بدم.
وعنه: الفرض ما لزم بالقرآن فالواجب ما لزم بالسنة.
إذاً: اختلفوا في الفرق بين الفرض والواجب، والصواب أنهما مترادفان.
قال أحمد: لا أقول فرضاً إلا ما كان في كتاب الله تعالى.
﴿قَالَ الطُّوفِيُّ: وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ؛ إذْ لاَ نِزَاعَ فِي انْقِسَامِ الْوَاجِبِ إلَى قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ﴾.
يعني: من أثبت الترادف لا شك أن الواجب ليس على مرتبة واحدة، بل منه ما هو متفق عليه ومنه ما هو مختلف فيه، ولا شك أن المتفق عليه أقوى من المختلف فيه.
ومنه ما دليله من حيث الثبوت قطعي، ومنه ما هو دليل من حيث الثبوت الظني، ولا شك أن ما ثبت بالدليل القطعي أقوى مما ثبت بالدليل الظني.
إذاً: من قال بالترادف لا يمنع أن الواجب بعضه أقوى من بعض، وحينئذٍ سمَّوا الأقوى فرضاً، وسمَّوا ما هو أدون واجباً.
﴿إذْ لاَ نِزَاعَ فِي انْقِسَامِ الْوَاجِبِ إلَى قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ فَلْيُسَمُّوا هُمْ الْقَطْعِيَّ مَا شَاءُوا, ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ أَنَّ الْخِلاَفَ لَيْسَ بِلَفْظِيٍّ, يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: بَعْضُ الْوَاجِبِ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ﴾ وهذا لا إشكال فيه ﴿بَعْضُ الْوَاجِبِ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ﴾.