تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالفرض لما أتى عنده بمنزلة الإنزال والإباحة انحط عن درجة الواجب، فكان الواجب آكد لأنه ثابت لازم، ولم تأت هذه المعاني له، والقول الثاني هو الذي أشار إليه المصنف وهو الذي أراد أن يُمهّد له وهو: أن الفرض والواجب مترادفان "وَالْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ ذُو تَرَادُفِ".

(وَيُرَادِفُ) ﴿الْفَرْضُ﴾ (الْوَاجِبَ شَرْعًا) أي: من جهة الشرع، وإن وقع شيء من الخلاف بينهما في المعنى اللغوي، حينئذٍ لا يستلزم الاختلاف في اللغة الاختلاف في الشرع.

يعني: اختلفا قوة وضعفاً في اللغة، لكن هل يلزم من ذلك اختلافهما ضعفاً وقوة في الشرع؟ الجواب: لا.

فله حقيقة شرعية بدلالة النصوص عليه .. تدل على أن الواجب والفرض بمعنى واحد، وحينئذٍ إذا استدل المستدل بأن الفرض من حيث اللغة أقوى من حيث المعنى حينئذٍ نقول: الطريق أو القوة ضعفاً .. إثبات الفرق قوة وضعفاً في اللغة لا يستلزم منه ذلك في الشرع، ففرق بينهما.

قال هنا: (وَيُرَادِفُ الْوَاجِبَ شَرْعًا) فهما لفظان مترادفان، أي: متحدان مفهوماً.

﴿عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ وَالأَكْثَرِ﴾ الجمهور على ذلك، ﴿لقوله تعالى: ((فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)) يعني: أَوْجَبَهُ﴾. هذا واضح بيّن.

﴿وَالأَصْلُ تَنَاوُلُهُ حَقِيقَةً وَعَدَمُ غَيْرِهِ﴾ هذا الأصل فيه {نَفْيًا لِلْمَجَازِ وَالاِشْتِرَاكِ.

وَفِي الصَّحِيحِ} وهو حديث ثابت ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ"﴾ هذا واضح بيّن، فجعل الواجب بمعنى الفرض، فحينئذٍ يكون له معنى شرعي، وإذا ثبت له معنى شرعياً حينئذٍ لا فرق بين المعاني اللغوية وإن دلت على الفرق، ما دام أن البحث هنا شرعياً.

وجاء حديث "هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوّعَ" فلم يجعل بين الفرض والتطوع واسطة؛ لأننا إذا فرقنا بين الفرض والواجب جعلنا واسطة، حينئذٍ الفرض آكد وهو على درجات، ثم يأتي في المنزلة الثانية الواجب، ثم يأتي بعد ذلك المستحب، لكن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن الواجبات قال: "هل عليّ غيرها -هذه الواجبات-؟ قال: لا. إلا أن تطوّعَ" يعني: تتنفل وتزيد على الواجب.

حينئذٍ لم يجعل واسطة بين النوعين، فلم يجعل بين الفرض والتطوع واسطة، بل الخارج عن الفرض داخل في التطوع، فأدخل كلَّ ما أخرجه من اسم الفرائض في جملة التطوعات، ولو كان ثم واسطة لبيَّنَها، ولم يبين ذلك فدل على التسوية بينهما.

قال هنا: ﴿وَلأِنَّ كُلاً مِنْهُمَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا﴾ لو قيل: ما هو الواجب؟ قيل: ما ذُم شرعاً تاركه .. إلى آخره.

ما هو الفرض؟ ما ذم شرعاً ... إلى آخره.

فحينئذٍ اتحدا في الحقيقة، فدل على أن الواجب هو الفرض والفرض هو الواجب.

﴿وَالاِسْتِدْعَاءُ﴾ الذي هو الاقتضاء ﴿لاَ يَقْبَلُ التَّزَايُدَ. كَجَائِزٍ وَلاَزِمٍ, وَصَادِقٍ وَكَاذِبٍ. فَلاَ يُقَالُ: أُجَوِّزُ وَلاَ أُلْزِمُ; لأَنَّه انْتَظَمَهُ حَدٌّ وَاحِدٌ, وَهُوَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.

هذا هو القول المرجح عند جماهير الأصوليين.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ٣٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ٣٨٧