(وَتَأْسِيسِهِ) يعني: هل اللفظ هذا مؤسِّس أو مؤكِّد؟ مؤسس يعني: دال على معنى جديد، ومنه المثال المشهور "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" هل الجملة الثانية مؤسسة أو مؤكدة؟ نقول: القاعدة أنه إذا دار الأمر بين التأسيس والتأكيد حُمل على التأسيس، وهذه القاعدة هذه محلها، ومثله ﴿قَوْله تَعَالَى: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))﴾ هذه جاءت في سورة الرحمن ﴿مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ إِلَى آخِرِهَا، فَإِنْ جُعِلَ تَأْكِيدًا لَزِمَ تَكْرَارُ التَّأْكِيدِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِ مَرَّاتٍ﴾.
وهذا خلافاً لما نُقل عن أهل اللغة: أن التَّكرار أكثر ما قيل هو ثلاث، بل قيل اثنان فقط ولا يأتي ثالثاً.، ثانياً وثالثاً لا إشكال فيه، لكن ما زاد عن ذلك فالأصل فيه المنع.
﴿وَالْعَرَبُ لاَ تَزِيدُ فِي التَّأْكِيدِ عَلَى ثَلاثٍ، فَيُحْمَلُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ﴾.
((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) على ما قبله، لا على أول السورة وإنما على المذكور قبله.
﴿وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي﴾ قوله تعالى: ﴿((وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)) فِي سُورَةِ الْمُرْسَلاتِ. فَيَكُونُ الْجَمْعُ تَأْسِيسًا لاَ تَأْكِيدًا﴾.
(وَتَبَايُنِهِ) يعني: ﴿إِذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُتَرَادِفًا أَوْ مُتَبَايِنًا﴾ أيهما الأصل في اللغة؟ التباين، الأصل في اللغة الإفراد لا الاشتراك، والأصل في اللغة التباين لا الترادف، فإذا دار الأمر بين الترادف والتباين جُعِل متبايناً، وخاصة إذا جُمع بينهما في موضع واحد .. عطف هذا على ذاك الكذب يومئذ، هذا مترادف، لكن لا يأتي به في القرآن كما نص على ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى، لا يأتي في القرآن ولا في السنة؛ لأنه يعتبر عياً يعني ضعفاً، ومخالفاً للفصيح من كلام العرب.
قال: ﴿نَحْوُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلامِ وَالنُّهَى"﴾ غاير النبي صلى الله عليه وسلم بالواو، والواو تقتضي المغايرة، فإذا فُسِّر النُّهى هم أولوا الأحلام، أولوا الأحلام هم النُّهى فحينئذٍ صار مترادفاً، وهذا فيه شيء من الإخلال بالفصاحة والبلاغة، فيُنزّه عنه نصوص الوحيين: كتاباً وسنة، فحينئذٍ لا بد من الحمل على التباين.
قال: {فَالنُّهَى: جَمْعُ نُهْيَةٍ - بِالضَّمِّ- وَهِيَ الْعَقْلُ، فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَسَّرَ "أُولُو الأَحْلامِ" بِالْعُقَلاءِ. فَيَكُونُ اللَّفْظَانِ مُتَرَادِفَيْنِ.
وَبَعْضُهُمْ فَسَّرَ "أُولُو الأَحْلامِ" بِالْبَالِغِينَ. فَيَكُونُ اللَّفْظَانِ مُتَبَايِنَيْنِ. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى} (تَبَايُنِهِ).
﴿فَيُحْمَلُ اللَّفْظُ مَعَ احْتِمَالِ حَقِيقَتِهِ عَلَيْهَا﴾ (دُونَ مَجَازِهِ).
رجع هنا إلى ما سبق، يعني: ذكر الأمور التي تُحمل ثم ما يقابلها.
قال: ﴿فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى﴾ (تَبَايُنِهِ) يعني: دون ترادفه.