﴿كَمَا أَنَّ الرُّؤْيَةَ: جَعْلُ الْعَيْنِ مُشْتَمِلَةً عَلَى صُورَةِ الْمَرْئِيِّ. فَلَفْظُ الإِحْيَاءِ وَالاِكْتِحَالِ حَقِيقَةٌ فِي مَدْلُولِهِمَا, وَهُوَ سُلُوكُ الرُّوحِ فِي الْجَسَدِ, وَوَضْعُ الْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ﴾ هذا معناهما الحقيقي، لكن لم يُستعملا في هذا المثال في المعنى الحقيقي.
﴿وَاسْتِعْمَالُ لَفْظِ الإِحْيَاءِ وَالاِكْتِحَالِ فِي السُّرُورِ وَالرُّؤْيَةِ مَجَازٌ إِفْرَادِيٌّ, وَإِسْنَادُ الإِحْيَاءِ إِلَى الاِكْتِحَالِ مَجَازٌ تَرْكِيبِيٌّ﴾ على ما سبق تفصيله.
قال: (وَفِعْلٍ) يعني: يكون المجاز في فعل، ﴿تَارَةً بِالتَّبَعِيَّةِ، كَصَلَّى بِمَعْنَى دَعَا﴾ فهو مصلٍّ بمعنى داعٍ، ﴿تَبَعًا لإِطْلاَقِ الصَّلاَةِ مَجَازًا عَلَى الدُّعَاءِ﴾ على ما سبق، إذا قلنا بأنه يجوز الاشتقاق حينئذٍ نشتق من المصدر فعل مضارع واسم فاعل، فإذا كان كذلك فحينئذٍ يقع المجاز والفعل تبعاً لأصله المصدر.
قال: ﴿وَتَارَةً بِدُونِ التَّبَعِيَّةِ, كَإِطْلاَقِ الْفِعْلِ الْمَاضِي بِمَعْنَى الاِسْتِقْبَالِ﴾ تشبيهاً له بالتحقيق، وهذا كثير، مر معنا في الباب السابق.
﴿نَحْوِ: ((وَنُفِخَ فِي الصُّورِ)) [يس:51]﴾ يعني: ينفخ، نُفِخَ: فعل ماضي، يعني في الزمن الماضي، هل هذا مراد؟ لا، إنما ينفخ في الصور.
﴿((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)) [النحل:1]﴾ يعني: سيأتي.
﴿((وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ)) [الأعراف:44]﴾ هل وقع النداء وانتهى؟ الجواب: لا، يعني: ينادي.
﴿وَإِطْلاَقُ الْمُضَارِعِ بِمَعْنَى الْمَاضِي﴾ عكسه.
﴿((وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ)) [البقرة:102]﴾ يعني: ما تلته، فعبر بالمضارع عن الماضي، وهو مجاز.
﴿((فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ)) [البقرة:91]﴾ يعني: لم قتلتم .. إلى آخره.
﴿وكذلك التَّعْبِيرُ بِالْخَبَرِ عَنْ الأَمْرِ﴾ وعكسه، ﴿((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ)) [البقرة:233]﴾ يرضعن: هذا خبر، والمراد به الأمر، يعني: والوالدات ليرضعن، فهو مأمور به، والعكس، يعني التعبير بالأمر عن الخبر، ﴿((فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا)) [مريم:75]﴾ يعني: فمد.
﴿وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ﴾ يعني: تبوأ، عبر هنا بالأمر عن الخبر.
قال: (وَمُشْتَقٍّ) يعني: يكون المجاز في مشتق ﴿كَاسْمِ الْفَاعِلِ وَاسْمِ الْمَفْعُولِ وَالصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُشْتَقُّ مِنْ الْمَصْدَرِ, كَإِطْلاَقِ "مُصَلٍّ" فِي الشَّرْعِ عَلَى الدَّاعِي﴾ كما سبق بيانه.
(وَحَرْفٍ) يعني: يقع المجاز في الحرف كذلك، خلافاً للرازي، ﴿فَإِنَّهُ قَدْ تَجُوزُ بِـ "هَلْ" عَنْ الأَمْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ((فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [الأنبياء:108]﴾ يعني: فأسلموا.
وفي قوله: ﴿((فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ)) [المائدة:91]﴾ يعني: انتهوا.
﴿وَعَنْ النَّفْيِ, ((فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ)) [الحاقة:8] يعني: مَا تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ يعني أقيم هل مقام ما، وفيما سبق أقيم هل مقام الأمر ومقام النهي .. إلى آخره.