قال هنا: ﴿لَكِنَّ إِسْنَادُ الإِشَابَةِ إلَى الزَّمَانِ مَجَازٌ, إذْ الْمُشَيِّبُ لِلنَّاسِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى﴾ لكنه جعل مرور الزمان سبباً تسبَّب الشيب عنه، والأصل إذا كان كذلك فهو حقيقة لا مجاز.
قال: ﴿فَهَذَا مَجَازٌ فِي الإِسْنَادِ﴾ يعني: في الإضافة والنسبة، هنا نسب الشيب إلى كر الغداة، وحينئذٍ نقول: هذه النسبة .. نسبة حكم إلى اسم إيجاباً وسلباً، نقول: هذه مجاز؛ لأنها استعملت في غير ما وضع له، والأصل أن تضاف الإشابة إلى الله عز وجل، لكنها أضيفت إلى كر الغداة.
قال هنا الشارح: ﴿فَهَذَا مَجَازٌ فِي الإِسْنَادِ﴾ أي: إسناد الألفاظ بعضها إلى بعض، ﴿لاَ فِي نَفْسِ مَدْلُولاَتِ الأَلْفَاظِ، وَمِنْهُ قوله تعالى: ((وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)) [الأنفال:2]﴾ وهذا غلط، لماذا؟ لأن الآيات ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة أنها تزيد الإيمان بذاتها، وحينئذٍ على هذا الكلام بأن الله تعالى أضاف الزيادة إلى الآيات وهي ليست لها، لا تفيد بذاتها زيادة الإيمان، وهذا ليس بصحيح.
كذلك في قوله تعالى: ((إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ)) [إبراهيم:36] قال: ﴿فَكُلٌّ مِنْ طَرَفَيْ الإسْنَادِ حَقِيقَةٌ, وَإِنَّمَا الْمَجَازُ فِي إِسْنَادِ الزِّيَادَةِ إِلَى الآيَاتِ﴾ بل هو حقيقة على الصحيح.
﴿وَالإِضْلاَلِ إلَى الأَصْنَامِ﴾ إلى آخر كلامه، وهذا يسمى المجاز العقلي، ويسمى المجاز الحكمي، ويسمى مجاز التركيب؛ لأن التجوز فيه نسبة الفعل إلى غير من صدر عنه، وأنكره السكاكي ورده إلى المجاز العقلي، فيكون المجاز عنده كله لغوياً، بخلاف المجاز في المفردات فإنه وضعي في اللغة.
قال: (وَفِيهِمَا مَعًا) يعني: يكون في المفرد فقط، كما سبق. ويكون في الإسناد فقط، ويكون فيهما، يعني: في المفرد وفي الإسناد معاً، يعني: في وقت واحد، على ما ذكرناه سابقاً، يعني: الأحوال أربعة، يعني: يكون في الإسناد فقط، ويكون في الإسناد والمسند والمسند إليه، ويكون في الإسناد والمسند دون المسند إليه، ويكون في الإسناد والمسند إليه دون المسند، والأحوال أربعة.
﴿كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: أَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِك﴾ أحياني: يعني سرني، اكتحالي يعني: رؤيتي لك، بطلعتك، ﴿إِذْ حَقِيقَتُهُ: سَرَّتْنِي رُؤْيَتُكَ﴾ والقول هنا كالقول فيما سبق: هل الرؤيا تُسر أم لا؟ هل تدخل السرور بذاتها أم هي الأصل بفعل الله عز وجل ولا تأثير لها؟ على ما سبق التفصيل، إن كان المراد أن الرؤيا للشخص لا تفيد تأثيراً في ذات الرائي مطلقاً لا بفعلها، نقول: لا، هذا ليس بصواب، وإنما هي بفعل الله تعالى، وجعل في رؤية زيد مثلاً انشراحاً للصدر دون غيره، لا مانع من ذلك، فيكون سبباً.
﴿لَكِنْ أَطْلَقَ لَفْظَ الإِحْيَاءِ عَلَى السُّرُورِ مَجَازًا إفْرَادِيًّا؛ لأنَّ الْحَيَاةَ شَرْطُ صِحَّةِ السُّرُورِ وَهُوَ مِنْ آثَارِهَا، وَكَذَا أطلق لَفْظُ الاِكْتِحَالِ عَلَى الرُّؤْيَةِ مَجَازٌ إفْرَادِيٌّ; لأنَّ الاِكْتِحَالَ: جَعْلُ الْعَيْنِ مُشْتَمِلَةً عَلَى الْكُحْلِ﴾ وهو لم يستعملها هنا وإنما عبر بالاكتحال عن الرؤية.