قال: والقسم الثاني باعتبار المعنى واللفظ (وَمُتَعَدِّدُ اللَّفْظِ فَقَطْ) يعني: معنى اتحاد المعنى، يعني المعنى لا يتعدد وإنما يتعدد اللفظ، فحينئذٍ يرد السؤال: ما هو الذي يتعدد لفظه ويتفق معناه؟ هو المترادف، ولذلك قال: (وَمُتَعَدِّدُ اللَّفْظِ فَقَطْ) يعني: دون أن يتعدد معناه مُتَرَادِفٌ، فتعدَّد اللفظ واتحد المعنى قالوا: ﴿كَالْبُرِّ وَالْقَمْحِ الْمُسَمَّى بِهِ الْحَبُّ الْمَعْرُوفُ﴾ والإنسان وبشر، الإنسان وبشر مصدقهما واحد بحيث تقولك هذا إنسان وهذا بشر، حينئذٍ اللفظ تعدد والمعنى يعني المصدق واحد، هذا يسمى مترادفاً.
والمعنى الذي هو (مُتَعَدِّدُ اللَّفْظِ فَقَطْ) أي: دون أن يتعدد معناه (مُتَرَادِفٌ).
﴿وَكَاللَّيْثِ وَالأَسَدِ وَالْبُرِّ وَالْقَمْحِ﴾ والإنسان والبشر.
(مُتَرَادِفٌ) من الترادف وهو الركوب خلف الآخر ﴿لِتَرَادُفِ اللَّفْظَيْنِ بِتَوَارُدِهِمَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ﴾
كل منهم ترادف مع الآخر؛ لأن كل واحد منهما وضع للحيوان المفترس كالليث والأسد.
والقسم الثالث متعدد (مُتَعَدِّدُ الْمَعْنَى فَقَطْ مُشْتَرَكٌ) يعني: دون اللفظ، فاتحد اللفظ وتعدد المعنى .. عكس السابق، هذا يسمى مشتركاً "فيه" هذا الأصل، وحذفت كلمة فيه توسعاً لكثرة دورانه في الكلام، أو لكونه صار لقباً (مُشْتَرَكٌ) فيه ﴿كَالذَّهَبِ وَالْبَاصِرَةِ. فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي لَفْظِ "الْعَيْنِ" لِصِدْقِهِ عَلَيْهِمَا﴾ يعني: اللفظ واحد وهو لفظ عين، ويصدق قيل على ثلاثين معنى، لكن هنا كمثال قال: الذهب وهو عين، والباصرة وهو عين، والنهر عين، والذهب عين، والفضة عين .. حينئذٍ اللفظ واحد وتعدد المعنى، اتحد اللفظ وتعدد المعنى، هذا يسمى مشتركاً يعني: مشتركاً فيه، هذه المعاني كلها تعددت واشتركت في لفظ واحد.
لكن قال: (إِنْ كَانَ حَقِيقَةً لِلْمُتَعَدِّدِ وَإِلاَّ فَحَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ) يعني بأن يكون ابتداء وضع للمعنيين، والأصح هنا: أن كل معنى من هذه المعاني وضع له اللفظ وضعاً مستقلاً، فوضع العين للبصارة، ثم وضع وضعاً آخر للجارية، ثم وضع وضعاً آخر للجاسوس .. ونحو ذلك، فتعدد الوضع، لكن قد يستعمل اللفظ في معنى موضوع له ابتداءً كالأسد في الحيوان المفترس، ثم يُنقل هذا اللفظ إلى معنى آخر وهو الرجل الشجاع، حينئذٍ صار الأسد له معنيان: الرجل الشجاع، والحيوان المفترس هل هو مثل عين في الباصرة والذهب؟ الجواب: لا، لماذا؟
لأن الأصل هنا في الأسد لم يوضع للمعنيين وضعاً واحداً، وإنما وضع ابتداءً للحيوان المفترس، ثم نُقل لعلاقة، فحينئذٍ نقول: هذا من قبيل الحقيقة والمجاز وليس من قبيل المشترك، يعني: ليس كل لفظ له معنيان يكون مشتركاً، بل يُنظر في مسألة التعدد في الوضع وفي مسألة النقل، فإذا وُضع ابتداء لمعنى ثم نقل استعمالاً مجازياً، فحينئذٍ لا نسميه مشتركاً وإنما نقول: هذا حقيقة ومجاز، ولذلك قال: (إِنْ كَانَ) يعني: ﴿اللَّفْظُ وُضِعَ﴾ (حَقِيقَةً لِلْمُتَعَدِّدِ) وأبهم المصنف هنا، والصواب أن المشترك لكل معنى وضعٌ خاص، ولم يوضع مرة واحدة للعين الباصرة .. إلى آخره، إنما وضع للباصرة، ثم للجاسوس .. إلى آخره، فلم يتحد الوضع.