تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: ﴿فَيَتَضَمَّنُ حينئذٍ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّدْقُ﴾ يعني: لا بد من التقدير ﴿مِنْ الإِثْمِ أَوْ الْمُؤَاخَذَةِ﴾ وهما متلازمان .. شيءٌ واحد، ولذلك قلنا الآية واضحة بينة: ((رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)) [البقرة:286] فحينئذٍ عدم المؤاخذة هي المرتبة على وجود الخطأ والنسيان، والمؤاخذة هي بعينها الإثم، لكن لا يلزم من عدم المؤاخذة رفع الفعل.

يعني: <<من نام عن صلاة أو نسيها>> هنا لا يؤخذ بالنسيان، لكنه تسقط عنه الصلاة؟ الجواب: لا. إذا أخطأ فأفطر قبل غروب الشمس رُفع عنه الإثم والمؤاخذة يعني: لا يأثم؛ لأنه تعمد أن يفطر قبل غروب الشمس وهو محرَّم، لكن هل يلزم من ذلك عدم القضاء؟ الجواب: لا.

يعني فرقٌ بين مسألتين: عدم المؤاخذة شيء، وعدم المطالبة بالفعل شيءٌ آخر، ولذلك قد يُخطئ فيظن أن وقت الزوال قد دخل يعني: زالت الشمس فصلى، فتبين أن الوقت لم يدخل، فحينئذٍ نقول: الأصل فيه أنه يأثم؛ لأنه أوقع صلاة الظهر قبل دخول وقتها، لكن نقول: <<رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان>> لا يلزم من ذلك عدم إعادة الفعل.

إذاً: عندنا شيئان أولاً: عدم المؤاخذة بالفعل للنسيان أو الخطأ.

ثم شيءٌ آخر وهو بقاء الأصل، وهو المطالبة بالفعل، فلو أخطأ .. ظن أنه فعل الفعل على وجهه الشرعي ثم تبين له عدمه نقول: هذا رُفع عنه الإثم لكنه بقي الطلب في حقه.

قال هنا: ﴿مِن الإِثم أَوْ المؤَاخذَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ﴾ لتعذر حمله على حقيقته فإنهما واقعان. ولا شك في ذلك.

إذاً: هذا يسمى دلالة اقتضاء؛ لأن اللفظ يقتضي تقدير محذوفٍ من أجل أن نقول للكلام: قد صدقت أو لقائله: قد صدقت.

قال: ﴿وَالثَّانِي: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ﴾ (أَوْ الصِّحَّةُ عَقْلاً) يعني: من جهة العقل.

قال: ﴿أَيْ مَا يَتَضَمَّنُ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ عَقْلاً نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ((وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ))﴾ بناءً على أن القرية اسمٌ للبنيان، ومعلومٌ أن السؤال لا يتوجه إلا إلى العاقل، والبنيان لا يتوجه إليه السؤال.

قال: ((وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ)) بناءً على أن العير اسمٌ للإبل ونحوه، وحينئذٍ هذا لا يتوجه إليه السؤال.

إذاً: العقل يمنع أن يتوجه السؤال هنا إلى القرية؛ لأنها اسمٌ للبنيان في المشهور عند أهل اللغة، وكذلك إلى العير.

فحينئذٍ لا بد من تقدير محذوف يدل عليه السياق وهو: واسأل أهل القرية، واسأل أهل العير.

قال: ﴿أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَأَهْلَ الْعِيرِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَقْلاً؛ إذِ الْقَرْيَةُ وَالْعِيرُ لا يُسْأَلانِ﴾.

فصحة السؤال عقلاً يتوقف على إضمار كلمة أهل. وهو مجازٌ من حرف كما مر معنا.

إذاً: هنا المنع جاء من جهة العقل، وأما التوقف فيما سبق فجاء من جهة الحس .. المشاهدة للخطأ والنسيان.

﴿وَمِثْلُهُ ((أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاك الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ)) أَيْ: فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ﴾.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ١٢٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ١٢٩٧