هنا لا بد من التقدير؛ لأنك لو جعلت ((فَانْفَلَقَ)) جواباً للأمر ((أَنِ اضْرِبْ)) ((فَانْفَلَقَ)) حينئذٍ الانفلاق لم يكن من جهة الضرب وإنما من جهة الأمر به، وهذا ممتنع فلا بد من التقدير.
﴿وَمِثْلُهُ ((فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)) أَيْ: فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
هنا جعله من جهة العقل، ولا أدري لماذا المصنف هنا جعل هذا المثال جهة ما يتوقف عليه الشيء في صحة الشيء عقلاً، وإنما هو من جهة الشرع، ولذلك أخذ ابن حزم بظاهره على ما هو عليه ولم يحتج إلى تقدير قال: ((فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ)) لم يصح منه الصيام ((فَعِدَّةٌ)) يعني: تلزمه عدة سواء صام أو لم يصم.
((فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)) إذاً: لا يلزمه، لكن التقدير هنا الظاهر أنه من جهة الشرع لا من جهة العقل.
﴿وَالثَّالِثُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ﴾ (أَوْ شَرْعًا) يعني: ما يتوقف عليه صحة الحكم من جهة الشرع، والمثال السابق يصلح له ((فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)) أي: فأفطر، فحينئذٍ عليه عدةٌ من أيام أخر.
﴿أَيْ: مَا يَتَضَمَّنَ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّتُهُ شَرْعًا كَقَوْلِ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ لِمَنْ يَمْلِكُ عَبْدًا: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي. هذا يتَضمَّنُ إِذا حَدد لَه مالاً عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ مَثَلاً﴾ هذا تضمن بيعه؛ لأنه لا يصح إلا بعد التمليك.
﴿أَوْ قَالَ: أَعْتِقْهُ عَنَى مَجَّانًا﴾.
هذا هبة بالمجان، يعني: هذا اللفظ إن وافق عليه فحينئذٍ يتضمن ما يتوقف عليه من جهة الشرع؛ إذ لا يصح أن يُعتق زيدٌ عن عمروٍ -هذا في الكفارة- إلا إذا كان يملك تلك الكفارة .. لا بد أن يكون مالكاً لها.
فحينئذٍ إذا قال: أعتق عبدك عني على خمسمائة درهم. صار متضمناً للبيع؛ لأنه لا يصح أن يُعتقه عنه إلا إذا كان مالكاً له، فحينئذٍ لا يحصل التصرف إلا فيما أُذن له، فيمتلك ثم يُوكل ثم تحصل بعد ذلك ما يترتب عليه.
﴿أو أَعْتِقْهُ عَنَى مَجَّانًا﴾ كذلك هي هبة من جهة الضمن.
قال: ﴿فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ فِي الصُّورَةِ الأُولَى إذَا أَعْتَقَهُ: بَيْعٌ ضِمْنِيٌّ﴾ يعني: في قوله: أعتق عبدك عني على كذا.
﴿وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ: هِبَةٌ ضِمْنِيَّةٌ﴾ يعني: أو أَعْتِقْهُ عَنَي مَجَّانًا ﴿لاسْتِدْعَاءِ سَبْقِ الْمِلْكِ؛ لِتَوَقُّفِ الْعِتْقِ عَلَيْهِ﴾.
لا يصح أن يُعتق إلا إذا كان مالكاً له، وإذا كان لا يملكه، وذكر مثل هذه الجملة حينئذٍ إما بيعٌ ضمني وإما هبة ضمنية.
والمثال السابق مثالٌ شرعي وهو في القرآن.
إذاً: (أَوْ شَرْعًا كَأَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي) يعني: كفهم حصول الملك؛ لأن العتق بدون الملك لا يصح شرعاً.
في الثلاثة الأنواع قال: (فَدَلَالَةُ اقْتِضَاءٍ).
يعني: فالدلالة في الصور الثلاث هذه دلالة اقتضاء ﴿لاِقْتِضَائِهَا شَيْئًا زَائِدًا عَلَى اللَّفْظِ﴾.
الاقتضاء يعني: الطلب، تطلب شيئاً زائداً على اللفظ، لا يصح اللفظ إما من جهة الصدق، أو من جهة الصحة العقلية، أو الشرعية إلا بهذا المحذوف، فلولا المحذوف لما صحّ التركيب.