وإنما صار عندهم حقيقة عرفية. في جنسها أي: في أفراد جنسها، يعني: لا يختلف اثنان أن الجنس وجوده ذهني، وإنما يوجد في ضمن أفراده في الخارج.
إذاً: ﴿أَعْتِقْ رَقَبَةً فَهَذِهِ الرَّقَبَةُ شَائِعَةٌ في جنسها﴾ أي: في أفراد جنسها ﴿شُيُوعُ الْحَيَوَانِ الْمُطْلَقِ بِحَرَكَتِهِ الاخْتِيَارِيَّةِ بَيْنَ جِنْسِهِ﴾.
يعني: كما أن الحيوان يسير ويتحرك بحركات اختيارية، كذلك الرقبة دون تقييد مثلها.
﴿وَإِذَا قُلْنَا: أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ لَهَا كَالْقَيْدِ الْمُمَيِّزِ لِلْحَيَوَانِ الْمُقَيَّدِ مِنْ بَيْنِ أَفْرَادِ جِنْسِهِ، وَمَانِعَةً لَهَا مِنْ الشُّيُوعِ, كَالْقَيْدِ الْمَانِعِ لِلْحَيَوَانِ مِنْ الشُّيُوعِ بالْحَرَكَةِ فِي جِنْسِهِ﴾.
على كلٍ: أراد أن يبيّن أن هذين اللفظين مستعاران من الأشخاص.
﴿وَهُمَا أَمْرَانِ نِسْبِيَّانِ بِاعْتِبَارِ الطَّرَفَيْنِ، فَمُطْلَقٌ لا مُطْلَقَ بَعْدَهُ كَمَعْلُومٍ، وَمُقَيَّدٌ لا مُقَيَّدَ بَعْدَهُ﴾ وإن شئت جعلت "لا" هنا نافية للجنس "لا مقيَّد" .. لا إشكال فيه.
﴿بَعْدَهُ كَزَيْدٍ, وَبَيْنَهُمَا وَسَائِطُ تَكُونُ مِنْ الْمُقَيَّدِ بِاعْتِبَارِ مَا قَبْلُ، وَمِنْ الْمُطْلَقِ بِاعْتِبَارِ مَا بَعْدُ، كَجِسْمٍ وَحَيَوَانٍ وَإِنْسَانٍ﴾.
يعني: المطلق يقال فيه ما قيل في العام: عامٌ لا أعم منه، وعامٌ متوسطٌ بين الاثنين: باعتبار ما فوقه فهو خاص، وباعتبار ما تحته فهو عام.
وكذلك الشأن في الخاص: خاصٌ لا أخص منه، وقد يكون باعتبار نسبي: باعتبار ما فوقه وما تحته.
كذلك المطلق: مطلقٌ لا مُطلقَ بعده، وكذلك مقيدٌ لا مُقيَّدَ بعده.
﴿قَالَ الْهِنْدِيُّ: فَالْمُطْلَقُ الْحَقِيقِيُّ: مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ فَقَطْ﴾ يعني: دون شيءٍ آخر، وإذا قالوا: ما دل على الماهية فقط يعني: لا باعتبار الأفراد في الخارج.
ثانياً: لا باعتبار أوصافٍ زائدة على الماهية؛ لأنك إذا تخيلت الإنسان بأنه حيوانٌ ناطق -في الذهن-، فحينئذٍ ثَم قيود: الإنسان منه عربي، منه عجمي، منه طويل، منه أبيض، أسود .. إلى آخره، هذه قيود.
هل تضع لهذه الماهية هذه الأوصاف؟ نقول: لا. وإنما يوضع للقدر المشترك بين الناس وهو الحيوانية الناطقية، وما عدا ذلك فلا التفات إليه البتة. وهذا الذي عناه الهندي هنا: ﴿فَالْمُطْلَقُ الْحَقِيقِيُّ: مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ فَقَطْ، وَالإِضَافِيُّ مُخْتَلِفٌ﴾.
قال: نحو رجل ورقبة فإنه مطلقٌ بالإضافة إلى رجلٍ عالم، ورقبةٍ مؤمنة فهو مقيدٌ بالإضافة إلى الحقيقي؛ لأنه يدل على واحدٍ شائع وهما قيدان زائدان على الماهية.
قال رحمه الله تعالى: (وَهُمَا كَعَامٍّ وَخَاصٍّ).
(هُمَا) ﴿أَيْ: الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ﴾ أحكامهما في الجملة كأحكام العام والخاص.
فأكثر ما قيل هناك يقال هنا.
قال: (وَهُمَا كَعَامٍّ وَخَاصٍّ).
﴿فِيمَا ذُكِرَ مِنْ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ مِنْ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٍ فِيهِ وَمُخْتَارٍ مِنْ الْخِلافِ﴾.