﴿فَمَا كَثُرَتْ فِيهِ قُيُودُهُ أَعْلَى رُتْبَةً مِمَّا قُيُودُهُ أَقَلُّ﴾ لا شك في ذلك، فهو أقرب إلى الخاص.
﴿كَقَوْله تَعَالَى: ((عَسَى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ))﴾ إلى آخر الأوصاف، حينئذٍ كلما زادت الأوصاف والقيود كان أقرب إلى الخاص.
قال: (وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي لَفْظٍ).
(وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ) ﴿أَيْ الإِطْلاقُ وَالتَّقْيِيدُ﴾.
(فِي لَفْظٍ) ﴿وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ﴾.
فيكون من جهة هو مطلق ومن جهة هو مقيد .. ﴿فَيَكُونَ اللَّفْظُ مُقَيَّدًا مِنْ وَجْهٍ مُطْلَقًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ﴾.
﴿نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ((رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)) قُيِّدَتْ الرَّقَبَةُ هنا مِنْ حَيْثُ الدِّينُ وَالإِيمَانُ فَتَتَعَيَّنُ الْمُؤْمِنَةُ لِلْكَفَّارَةِ، وَأُطْلِقَتْ مِنْ حَيْثُ مَا سِوَى الإِيمَانِ مِنْ الأَوْصَافِ﴾ الأخرى، كطوله، وعرضه، سمين أو لا .. هذه مطلقة.
"رقبة" حدد العين .. أصلاً، ثم قال: "مؤمنة" باعتبار الدين، أما كونه طويلاً، قصيراً .. إلى آخره، هذا لا يضر.
﴿كَكَمَالِ الْخِلْقَةِ وَالطُّولِ وَالْبَيَاضِ وَأَضْدَادِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ﴾ هذا يعتبر إطلاقاً.
﴿فَالآيَةُ مُطْلَقَةٌ فِي كُلِّ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَفِي كُلِّ كَفَّارَةٍ مُجْزِئَةٍ, مُقَيَّدَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُطْلَقِ الرِّقَابِ وَمُطْلَقِ الْكَفَّارَاتِ﴾ يعني: باعتبار الإيمان.
﴿ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الإِطْلاقَ وَالتَّقْيِيدَ تَارَةً يَكُونَانِ فِي الأَمْرِ﴾ يعني: في باب الأمر: أعتِق رقبةً، وأعتق رقبة مؤمنة. جاء مطلقاً وجاء مقيدا. والأمر هنا بالعتقِ.
﴿وَتَارَةً فِي الْخَبَرِ﴾ سواء كان في معنى النهي أو لا
﴿لا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ﴾ قال: ﴿وَشَاهِدَيْنِ﴾ هذا جاء مطلقاً.
﴿وَلا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ﴾ مُرشِدٍ، قيَّده .. هذا مقيد، والكلام في الخبر، ﴿وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ﴾ قيّد الشاهدين.
﴿قَالَ الطُّوفِيُّ: وَهُمَا فِي الأَلْفَاظِ مُسْتَعَارَانِ مِنْهُمَا فِي الأَشْخَاصِ﴾.
يعني: الأصل في القيد أن يكون في الشخص، والأصل في المطلق الذي لم يُقيَّد أن يكون في الشخص، وأما وصف الألفاظ بالتقييد والإطلاق هذا مستعار يعني: مجاز، وإلا الأصل يكون في الأشخاص.
﴿وَهُمَا فِي الأَلْفَاظِ مُسْتَعَارَانِ مِنْهُمَا فِي الأَشْخَاصِ. يُقَالُ: رَجُلٌ أَوْ حَيَوَانٌ مُطْلَقٌ﴾ عن القيد ﴿إِذَا خَلا عَنْ قَيْدٍ أَوْ عِقَالٍ، وَمُقَيَّدٌ إذَا كَانَ فِي رِجْلِهِ قَيْدٌ أَوْ عِقَالٌ أَوْ شِكَالٌ وَنَحْوُهُ مِنْ مَوَانِعِ الْحَيَوَانِ مِنْ الْحَرَكَةِ الطَّبِيعِيَّةِ الاخْتِيَارِيَّةِ﴾.
إذاً: الأصل في التقييد والإطلاق هو الأشخاص، ثم استُعير هذا اللفظ إلى الألفاظ.
﴿فَإِذَا قُلْنَا: أَعْتِقْ رَقَبَةً فَهَذِهِ الرَّقَبَةُ شَائِعَةٌ﴾ يعني: منتشرة، الشيوع المراد به الانتشار.
﴿شائعٌ فِي جِنْسِهَا﴾ ليس المراد الجنس؛ لأن الجنس شيءٌ واحد، فلا شيوع فيه، إنما المرد في أفرد جنسها .. لا بد من التقدير "مضاف" وإلا ما يصح المعنى.