يعني: متى نجعل الغاية من المخصصات؟ لا بد أن يكون ما قبلها فيه معنى الشمول، قلنا التخصيص متى يكون؟ لما فيه معنى الشمول حساً أو حكماً.
إذاً: متى تكون الغاية مخصصة؟ إذا كان ما قبلها فيه معنى الشمول.
﴿وَمَحِلُّ مَا تَقَدَّمَ: فِي غَايَةٍ تَقَدُّمهَا عُمُومٌ يَشْمَلُهَا، أَمَّا إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ الْغَايَةَ عُمُومٌ يَشْمَلُهَا، فَلا يَكُونُ مَا بَعْدَهَا مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ: (إلَّا فِي: قُطِعَتْ أَصَابِعُهُ كُلُّهَا مِنْ الْخِنْصَرِ إلَى الْإِبْهَامِ وَنَحْوِهِ)﴾ يعني: لا يكون من المخصصات.
لأن قوله: قطعت أصابعه كلها من الخنصر إلى الإبهام ليس فيه جديد؛ لأن قوله: قطعت أصابعه كلها. دل على أن الخنصر والإبهام قد حصل عليهما القطع، فهما داخلان قطعاً. يعني: الإبهام داخلٌ قطعاً، فلا يحتاج إلى الاستثناء يعني: ليس فيه مخالفة.
قال: (فَلَا) ﴿أَيْ: فَلا يَكُونُ مَا بَعْدَهَا مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا، وَيَكُونُ الإِبْهَامُ دَاخِلاً قَطْعًا﴾.
فلو اقتصر على قوله: قُطعت أصابعه كلُّها لأفاد الاستغراق، فكان قوله: من الخنصر إلى الإبهام توكيداً. هكذا قال في تشنيف المسامع.
فالقصد بالغاية هنا تحقيق العموم .. القصد هنا بالغاية لقوله: من الخنصر إلى الإبهام هذا توكيد، وليس فيه استثناء، وليس فيه إخراج وإنما قصد تحقيق العموم واستغراقه.
فالغاية هنا داخلة قطعاً، ومثله الغاية التي لو سكت عنها لم يدل عليها اللفظ كطلوع الفجر في قوله تعالى: ((حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)) [القدر:5]، وكقوله: ((حَتَّى يَطْهُرْنَ)) [البقرة:222] فإن حالة الطهر لا يشملها اسم الحيض، فالغاية هنا خارجة قطعاً.
يعني: الغاية قد تكون داخلة قطعاً وقد تكون خارجة قطعاً، في الحالين لا تكون من المخصصات.
قال: ((حَتَّى يَطْهُرْنَ)) [البقرة:222] الطهر ليس داخلاً في الحيض فلا يحتاج إلى إخراج، هل شمل الحيض الطهر؟ لا. هل قوله: ((حَتَّى يَطْهُرْنَ)) [البقرة:222] إخراج؟ لا ليس إخراجاً. إذاً: حتى هذه لا تفيد التخصيص.
إذاً: ما بعد حتى مثلاً أو اللام وإلى، إن كان داخلاً قطعاً فهي للتوكيد، والمثال السابق: قطعت أصابعه كلها.
إن كان خارجاً قطعاً فهي للتوكيد كذلك، وليس المراد الإخراج.
{قَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ -تقي الدين-: قَوْلُ الأُصُولِيِّينَ إنَّ الْغَايَةَ مِنْ الْمُخَصَّصَاتِ إنَّمَا هُوَ إذَا تَقَدَّمَهَا عُمُومٌ يَشْمَلُهَا لَوْ لَمْ يُؤْتَ بِهَا. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ((حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ)) فَلَوْلا الْغَايَةُ لَقَاتَلْنَا الْكُفَّارَ أَعْطَوْا أَوْ لَمْ يُعْطُوا.
فَأَمَّا نَحْوُ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ} البلوغ منافٍ للصبا، فحينئذٍ ليس عندنا دخولٌ تحت لفظ الصبي ويكون نوعٌ هو البلوغ؛ لأنه مباينٌ له.
﴿وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ﴾ إذا أفاق فليس بمجنون، وإذا استيقظ فليس بنائم. إذاً المراد هنا: ليس إخراج ما بعده عما قبله.