وقد جاء أن سبب نزولها: أن الصحابة- رضي الله عنهم - قالوا: "يارسول الله، ربنا قريبٌ فنناجيه، أم بعيدٌ فنناديه؟ فأنزل الله - عز وجل -: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (1).
وهذا يدلُّ على إرشادهم للمناجاة في الدعاء؛ لا للنداء - الذي هو رفع الصوت - فإنهم عن هذا سألوا، فأُجيبوا بأن ربهم تبارك وتعالى قريبٌْ؛ لا يحتاج في دعائه وسؤاله إلى النداء، وإنما يُسأل مسألة القريب المناجي؛ لا مسألة البعيد المنادي.
وهذا القرب من الداعي: هو قربٌ خاصٌّ؛ ليس قربًا عامًا من كلِّ أحدٍ، فهو قريبٌ من داعيه؛ وقريبٌ من عابده، وأقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ، وهو أخصُّ من قرب الإنابة وقرب الإجابة - الذي لم يُثبت أكثر المتكلمين سواه - بل هو قربٌ خاصٌّ من الداعي والعابد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم راويًا عن ربِّه تبارك وتعالى: (من تقرَّب مني شبرًا: تقرَّبت منه ذراعًا، ومن تقرَّب مني ذراعًا: تقرَّبت منه باعًا)، رواه البخاري ومسلم (2).
فهذا قربه من عابده، وأما قربه من داعيه وسائله: فكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، وقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55]، فيه الإشارة والإعلام بهذا القرب" (3).
خامسًا: طلب قرب الله - عز وجل - والتقرب إليه بالطاعات، لأن الله - عز وجل - قريب ممن أطاعه، قال سبحانه: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾، وقال في الحديث القدسي: (من تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا ... ) الحديث (4).
(1) أخرجه الطبري في تفسيره 2/ 158، وضعفه أحمد شاكر برقم (2904).
(2) جزء من حديث رواه البخاري (7405)، مسلم (2675).
(3) بدائع الفوائد 3/ 8 - 9.
(4) البخاري (6502).