ولكن أورد على هذا القول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)﴾ [ق: 16]؛ فالمراد بـ ﴿الْإِنْسَانَ﴾: كل إنسان، ولهذا قال في آخر الآية: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ إلى أن قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24)﴾ [ق: 22 - 24]؛ فهو شامل.
وأورد عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85)﴾ [الواقعة: 83 - 85]، ثم قسم هؤلاء الذين بلغت أرواحهم الحلقوم إلى ثلاثة أقسام، ومنهم الكافر.
وأجيب عن ذلك بأن قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)﴾ [ق: 16]؛ يعني: بملائكتنا، واستدل لذلك بقوله: ﴿إِذْ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿أَقْرَبُ﴾، يعني: ونحن أقرب إليه حين يتلقى المتلقيان، وهذا يدل على أن المراد بقربه تعالى قرب ملائكته.
وكذلك قوله في المحتضر: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾: المراد: قرب الملائكة، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85)﴾ [الواقعة: 85]، وهذا يدل على أن هذا القريب موجود عندنا، لكن لا نبصره، وهذا يمنع غاية الامتناع أن يكون المراد به الله - عز وجل - لأن الله في السماء، وما ذهب إليه شيخ الإسلام فهو عندي أقرب ولكنه ليس في القرب بذاك" (1).
(1) شرح العقيدة الواسطية لابن تيمية 2/ 92.