ذلك العذاب، والأسر والضرب، والهجرة إلى الحبشة، مع أنه صلى الله عليه وسلم أرحم الناس، ولم يجد لهم رخصة، ولو وجد لهم رخصة لأرخص لهم، كيف وقد أنزل الله عليه ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾ الآية [سورة العنكبوت آية: 10] ؛ فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه، فكيف بغير ذلك؟
الموضع الثالث: قصة قراءته صلى الله عليه وسلم سورة النجم بحضرتهم، فلما بلغ ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ [سورة النجم آية: 19] ، ألقى الشيطان في تلاوته: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى"، فظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالها، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، وقالوا كلاما معناه: هذا الذي نريد، ونحن نعرف أن الله هو النافع الضار وحده لا شريك له، ولكن هؤلاء يشفعون لنا عنده، فلما بلغ السجدة سجد وسجدوا معه، فشاع الخبر أنهم صافوه، وسمع بذلك من بالحبشة فرجعوا، فلما أنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، عادوا إلى شر ما كانوا عليه. ولما قالوا له: إنك قلت ذلك، خاف من الله خوفا عظيما، حتى أنزل الله عليه: ﴿ (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ الآية [سورة الحج آية: 52] . فمن فهم هذه القصة ثم شك بعدها في دين النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفرق بينه وبين دين المشركين، فأبعده الله، خصوصا إن