الآية 255: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: اللهُ الذي لا يَستحق العُبُودِيَّة إلا هُوَ ﴿الْحَيُّ﴾ ﴿الْقَيُّومُ﴾: أي القائم بتدبير المَلَكُوتِ كله، القائم على كل نفسٍ بما كَسَبَتْ، (وقد قال بعضُ المُحَققِين: إنَّ (الْحَيّ الْقَيُّوم) هو اسمُ اللهِ الأعْظَم الذي إذا دُعِيَ به أجابَ، وإذا سُئِلَ به أعْطَى؛ ولذلك ينبغي للعبد أن يَذكُرَ هذا الاسم في دُعائِهِ، فيقول: (يا حَيُّ يا قيوم)، ثم يدعو اللهَ بما شاءَ مِن الخير)، واعلموا أنّ اللهَ سبحانهُ ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ أي نُعاس، ﴿وَلا نَوْمٌ﴾ ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾: أي مَن هذا الذي يَجرؤ أن يَشفعَ عنده إلا مِن بعد أن يَأذنَ له؟
????? وفي هذا رَدٌّ قاطِع على مَن يُنكِرُون حديثَ الشفاعة - الثابت في الصَحِيحَيْن (البخاري ومُسلِم) - وذلك لأنهم يُحَكِّمُونَ عقولَهُم في ذلك بدونِ عِلم، فيَحْتَجُّونَ بقوْلِهِم: (كيف يَذهب الناس إلى الأنبياء - ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم - لِيَشفعوا لهم عند ربهم، ولا يذهبون مُباشرةً إلى اللهِ تعالى ليَطلبوا منه الشفاعة؟) ويعتبرون أنَّ هذا الحديثَ ضعيفٌ بِحُجَّةِ أنَّه يَتَناقَضُ مع قوْلِ اللهِ تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾، ونحن نقولُ لهم: إنه قد ثَبَتَ - في نفس الحديث - أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يَذهبُ لِيَخِرَّ تحتَ العرش ساجدًا، ثم يَحْمَد اللهَ تعالى بمَحَامِدَ لم يَحْمَدْهُ بها مِن قبل، فيقولُ اللهُ له: (يا محمد، ارفع رأسَك، وَسَلْ تُعْطَهْ، واشفعْ تُشَفَّعْ)، ففي هذا دليلٌ واضحٌ على أنه قد استأذنَ رَبَّهُ في الشفاعة، وأنَّ اللهَ قد أذِنَ له، ألاَ يَتفقُ هذا تمامًا مع قولِهِ تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾، ومع قولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾؟
????? ونحن نعلمُ أنهم يَفعلونَ ذلك حِرْصًا منهم على عدم الشركِ باللهِ تعالى، ولكننا نُذَكِّرُهُم بقوْل الإمامِ عَلي رَضِيَ اللهُ عنه: (لو كانَ الدينُ بالرأي لكانَ أسفلُ الخُف أوْلَى بالمَسْحِ مِن أعلاه)، (والخُفُّ هوَ شيءٌ يُلبَسُ في القدم مِثل الجَوْرَب)، (ورغمَ أنَّ أسفل الخُفِّ هو الأوْلَى بأنْ يُمسَحَ في الوضوء؛ لأنه هو الذي يَتسِخ، إلا أنَّنا أُمِرْنا بالمَسح أعلاه)، وَنُذَكرُهُم - أيضًا - بأنَّ المَرْأة تَقضِي صيامَ الأيام التي مَرَّتْ عليها وهي حائِض في رمضان، ولا تقضي صلوات تلك الأيام، وبأنَّ اللهَ تعالى قد جعل عدد ركعات الصلوات مختلفة: (فالصبح نُصَلِّيهِ ركعتين، والظهر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، وهكذا)، فهذه كلها أشياء تَعَبُّدِيَّة لا تَخضَع للعقل في شيء.
????? فلذلك ينبغي ألاَّ نجعلَ العقلَ حاكمًا على دين الله، فيُصَحِّح ويُضَعف بهَوَاه، فإنَّ عقولَ البشر مُتفاوتة، وقد يقولُ لكَ قائل: (أنتَ لستَ أذكَى مِني، وإنَّ عقلَكَ ليس أفضل مِن عقلي، فأنا أرى هذا صحيحًا وأنت تراهُ ضعيفًا، والعكس)، وَلتعلمْ - أخي الكريم - أنه لا يَتَعارضُ - أبدًا - نَص صحيحٌ معَ عقلٍ سليم، ولكنَّ المُشكِلة أنَّ الناسَ تستَحِي أن تقول: (أنا لا أفهم هذا الحديث، ولا أفهم المُراد مِن هذه الجُزئِيَّة، ولا أفهم كيف أجمعُ بين هذا الحديث