بأعينهم، لَعَلِمُوا علمًا جازمًا ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وأنّ هذه الآلهة المزعومة ليس لها من القوة شيء، فتبيَّن لهم في ذلك اليوم ضَعفُها وعجْزُها، لا كما ظنوا - في الدنيا - أنّ لها من الأمر شيئًا، وأنها تقرِّبُهم إلى ربهم، فخابَ ظنُّهم، وحَقَّ عليهم العذاب، (فاللهُ تعالى لا يَحتاجُ إلى واسطةٍ بينه وبين خلقه في العبادة، لأنه - سبحانه - ليس كَمُلوك الدنيا الذين يَحتاجون إلى واسِطةٍ لقضاء مصالح الناس)، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ فعذابُهُ تعالى لا يُطاقُ ولا يُحتمَل.
الآية 166: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ﴾: يعني وحين رَأَى المُشركون العذاب: تبرَّأَ ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: أي تَبَرَّأ الرؤساء المَتبوعون مِمَّن اتَّبَعَهم على الشِرك، ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾: أي وتقطعت بينهم كل الصِّلات التي كانت تربطهم في الدنيا، فلم تدفع عنهم شيئًا من عذاب الله، بل حصلَ لهم الضررُ منها، مِن حيث ظنوا نفعَها.
الآية 167: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ أي قال الأتباع المَرؤوسون: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ أي عَودة إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾: يعني وكما أراهم اللهُ شدة عذابه يوم القيامة: يُريهم أعمالهم الباطلة التي عملوها في الدنيا ﴿حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾: أي يَندمون على فِعلها حيثُ لا ينفع الندم ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.
الآية 168: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ وهو الطاهر غير النجس، النافع غير الضار، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: أي ولا تتبعوا طرُقه في التحليل والتحريم والبدع والمعاصي؛ وأغلِقوا عليه كُلَّ بابٍ يَدخل لكم منه، وهذا ما يُسَمَّى في الشرع بـ ﴿سَدّ الذرائع﴾: أي سد الطرق على الشيطان ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عدوٌّ مبين﴾: أي عداوته لكم واضحة.
الآية 169: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ﴾ أي بكل ذنب قبيح يَسُوءُكم، ﴿وَالْفَحْشَاءِ﴾: يعني ويأمركم بكل معصيةٍ بالغةِ القُبح، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾: يعني ويأمركم بأن تفتروا على اللهِ الكذبَ، مِن تحريم الحلال وغير ذلك، (وفي الآية تحذيرٌ من الفتوى بغير علم، وأنها من الكبائر).
الآية 170: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا﴾ أي وجدنا ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾: يعني أيتبعون آباءهم حتى ولو كانوا لا يعقلون عن الله شيئًا، ولا يُدركون رشدًا؟