ونعت العزيمة أخاها
أُسيد التعزي اليمني
أيّ همة تلك التي حباك الله إياها يا أسيد .. وأيّ صبر عظيم اعتمل جوانحك حتى تأخذ العهد على نفسك ان لا تطلب رقية راقٍ، وما ذاك سوى طمعاً ورغبةً ورجاءً، أن تكون من تلك الكوكبة التي تدخل جنة ربها، من غير حساب ومن دون عقاب ..
أسيد التعزي واسمه عائد قاسم أحمد، ولد في تعز، وفوق سهولها تفتقت أكمام صبحه، وفي مدارسها نهل من العلوم الدنيوية ما أهَلَه ليقرأ ويكتب .. وفيما أبناء جيله يسرحون ويمرحون في دنيا أحلامهم، كان الفتى التعزي ينتظر تلك الساعة المباركة التي يفر فيها من سواد الجاهلية، ويلحق بعصب التوحيد المهاجرة إلى ربها، المرابطة هناك حول ثغور خراسان ...
أسودٌ إذا لاقوا وطيرٌ إذا دعوا ... أيامنهم للمعتدين أشائم
ولم يمض كثير وقت على تلك الأمنية الماجدة، حتى يسر الله لهذا المهاجر الطريق الموصل إلى رضوانه، فحزم حقائبه، وشمر عن ساعدي الجد، ومضى إلى ربه مهاجراً طامعاً في النيل من أعدائه، راجياً الظفر برضوانه ...
وبعد طول سفر، حطّ المهاجر رحله في قندهار، ولم يكن يتجاوز العشرين من عمره، وسرعان ما التحق بمعسكرات التدريب، فأعدّ في الفاروق واستعدّ، وما أن أكمل إعداده، حتى انتدبه الأمير ليكون ضمن طاقم العمل الإداري، وسرعان ما برزت مواهبه، وعلا كعبه في ما أسند إليه من عمل .. وتفانى في خدمة إخوانه أيما تفانٍ، صابراً محتسباً، وخاصةً أن العمل الإداري يحتاج الكثير من الصبر على الإخوان ..
أدبرت الأيام مسرعة، وشاءت الأقدار الإلهية لي أن أُيمم وجهي شطر قندهار العز والإقدام ..
وهناك، وتحت سقف واحد، وأثناء عيادتي لأحد المرضى أبصرته، وقد أخذ على عاتقه السهر على خدمة أحد إخوانه المهاجرين ..
متواضع في رفعة ذو همة ... تسمو إلى كسب العلا وتهيم
صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله: " ذا أخلاق حسنة، طيب المعشر، هادئ الطبع صبوراً، ذا عزيمة عالية .. ولطالما وقفت حائراً متعجباً من صبره على إخوانه، وكأن لسان حاله يردد في كل لحظة ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10)
واصل شهيدنا مشواره اللاحب، على الرغم من آثار السحر التي كانت تظهر عليه بين الفينة والأخرى، ولطالما أقعده ذاك السحر المشؤوم عن مواصلة عمله المبارك .. ولكن ما ان يسترد عافيته، حتى تستنهضه همته التي لا تعرف الكلل، ولا يتطرق إليها الوهن ...
وهكذا .. ، وفيما كان ابن تعز صائلاً جائلاً بحافلته بين أزقة قندهار وحواريها، كانت ليوث التوحيد على موعد مع إنزال عقوبة الله في القوم الكافرين .. فقد ارتطمت طائرات أبناء العقيدة بشوامخ أبناء الصليب، وأحالوها سعيراً يلتهب بأصحابه الكفرة ...
رمتهم بشهب الموت منه مدافع ... لها شرر في ظلمة الليل كالقصر