تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الطالب المهاجر

غريب التركستاني

لقد أبت الشيوعية الصينية إلا أن تطمس معالم الدين في نفوس المسلمين هناك في تركستان محاولة أن تُنسي أبناء الإسلام معتقداتهم وما يُؤمنون به .. وهنا راح أبناء التوحيد يبحثون عن سراديب تحت الأرض لينهلوا من معين محمد ? الصافي محاولين ان يبثوا دماء الإسلام في عروق أبناء تركستان، بعيداً عن عيون وأيدي أبناء الشيوعية الملطخة بنجس الإلحاد، ومن أُولئك الأفذاذ كان غريب التركستاني ...

غريب ولد، ونشأ، وترعرع في ولاية خوتن المسلوبة، شبّ شهيدنا وقد امتلأت دنياه بعفن الشيوعية الحمراء الجاثمة على صدر خمسة وثلاثين مليون مسلم تركستاني .. وأمام الواقع المؤلم فرّ غريب، والتجأ إلى المدارس الدينية لينهل من معينها الطيب متوارياً بنفسه عن عيون الشيوعية الحمراء ..

وعلى هذه الحال غدا حتى ضاقت عليه وعلى الدعوة الأرض بما رحبت، ففر من ذاك الجحيم وقصد باكستان ومدارسها الدينية، وكان ذاك في عام 1995، ولسان حاله يردد ..

العلم كنز فلا تفنى ذخائره ... والمرء ما زاد علما زاد بالرتب

وبعد سنتين من طلب العلم تنامى إلى مسامعه خبر سطوع ذاك الفجر المشرق المتمثل بحركة طالبان وتطبيقها لشرعة الرحمن .. وحزم حقائبه، ويمم قاصداً ذاك الخير العظيم، وسرعان ما التحق بمعسكر خلدن فأعدّ واستعدّ في تلك المدرسة العتيدة التي أرسى دعائمها الأُول الإمام الشهيد عبد الله عزام .. وما أن أكمل إعداده حتى التحق بأُسود الشرى المرابطين حول ثغور كابل ..

فجّ يكاد صهيل الخيل يقذفه ... عن سرجه فرحاً بالغزو أو طربا

مرقعي خيلهم بالبيض متخذي ... هام الكماة على أرماحهم عددا

وبين تلك المرابع التي تتغشاها ملائكة السماء علا نجمه، وبزغ فجره، وسرعان ما عُين أميراً لمجموعته القتالية التي لازمها فترة من زمن، ليعود ثانية إلى معسكر التركستان مدرباً لليوث المهاجرة .. وعلى حاله تلك بقيَ إلى ان جاء تشكل لواء الأنصار، فانتقل إليه هناك في الشمال الأفغاني ...

توالت الأيام مسرعة، وبدأ العد التنازلي ليوم العز والفخار .. ، ويسر الله، وكانت القاصمة التي قصمت ظهر الصليب ...

كأن بلاد الروم عمت بصيحة ... فضمت حشاها أو رغا وسطها السقب

وهنا راح الصليب يجمع حشوده المنتنة ويحزب أحزابه متوعداً أبناء التوحيد مزبداً مرغيا ...

ولم تمض سوى بضعة أسابيع حتى اندلعت رحى الحرب الزبون، وراح الرصاص يروي قصة هذا الدين .. وعلى وقع دويّ الانفجارات عاد شهيدنا إلى كابل التي لم يطل بقاؤه فيها فقد آذنت شمسها بالأُفول ..

وما هي سوى أيام حتى سقطت بأيدي الصليب وزمر الردة ... وانحاز الغريب بدينه مع العصب المتبقية وفي الطريق الطويل ومن جراء الإرهاق الشديد الذي أصابه اصطدم شهيدنا بسيارة أُخرى لتقع أسنانه وينكسر فكه، وعلى وجه السرعة تم نقله إلى باكستان للعلاج .. وما أن أتم علاجه حتى يمم وجهه قاصداً البيت العتيق فحجّ سنته تلك، ثم أقفل عائداً إلى باكستان التي لم يطل بقاؤه فيها فقد اشتاقت نفسه الأبية إلى لحن الرصاص وغبار المعامع فحزم حقائبه والتحق بآساد الجبال ..

صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله كما حدثني الأخ قاسم التركستاني: " ذكياً وشجاعاً .. محبوباً من قِبل الجميع، دائم الفكر بضرب الكفار .. رجلاً هيناً ليناً، صاحب مزح ومداعبة، مدرباً بارعاً .. "

شهداء في زمن الغربة .. · الصفحة ٣٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شهداء في زمن الغربة ..ص ٣٠٦