ورحل مختار مع العصب المتبقية، وحطّ رحاله فوق روابي خوست، وانتدبه إخوانه ليكون مشرفاً على إخوانه المرضى والمصابين وكان نِعم الأخ لإخوانه ونِعم المعين لهم.
وبعد بضعة أسابيع قضاها بين نجود آذنت شمسها بالأُفول، فحزم أمتعته، ومضى إلى عوالي شاهي كوت، ومنها تابع مسيرة غربته وحطّ رحاله بين أزقة وحواري كراتشي، ضيفاً على أبنائها الأنصار ..
لا ينزل الضيف صبحاً عقر دارهم ... إلا ويمسي عشاءً صاحب الدار
وبعد ما يزيد عن سنة قضاها بين الرجاء والأمل منتظراً اللحاق ثانية بموكب غرباء آخر الزمان .. منّ الله عليه، ويسر أمره، وعاد ثانية إلى مراتع العز والمجد والشموخ ..
وهناك في منزل من منازل الأنصار حدثني الشيخ أبو همام الفلسطيني عن رؤيا رآها في مختار قبل عودته إلى عرين الأُسود قائلاً:- " رأيت في المنام أن بين يديّ كتاباً عنوانه وصايا الشهداء، وسرعان ما قمت بتقليب صفحاته، وفي إحدى الصفحات رأيت اسم مختار السوري "
أعد ابن سوريا الشام إعداده مع أبناء التوحيد، وسرعان ما بدأ العد التنازلي لرحلة الخلود السرمدي حيث غدوة شنكاي المشهورة التي حملت بين طياتها الكثير من أرواح الأحبة ...
وتحت جنح الظلام سار عشاق الشهادة تحفهم عناية الرحمن .. وما أن وصل الآساد وأخذوا مواقعهم حتى دوت صيحات الله أكبر مؤذنة ببدء الحملة وهنا اقتحم الأشاوس حمى الموت، وساح المنايا وسرعان ما حكموا سيوفهم في رقاب زمر الردة والنفاق ..
سيوف سقاها من دماء عداته ... وأقسم عن ورد الردى لا يردها
وأبرزها في أبيض مثل كفه ... على أخضر مثل المسن يجدها
وما أن لاح سنا الفجر حتى تكشفت أماكن الليوث المهاجرة وأقبلت في تلك اللحظات رصاصات العدا تشق طريقها لتستقر في صدر المهاجر الغريب مختار ..
وهناك فوق تلك التباب بقيَ جسد ابن سوريا شاهداً على ان هذا الدين عظيم ومهره عظيم وحُقّ لي أن أُردد في وداع رفيق الدرب ...
وما كنت أدري قبل دفنك في الثرى ... بأن تراب القبر يحثى على القبر
فيا ليت أُمي لم تلدني وليتني ... سبقتك إذ كنا إلى غاية نجري