تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفوق ثرى باكستان تجمعت أوراقه المبعثرة في ذاكرته، وبدا له العودة إلى مسقط رأسه لإكمال مسيرة الدماء في قتال زمر الردة وعبدة الأوثان والسحرة، وما أن تكاملت معاملات سفره حتى أسر الأخ الذي أودع عزام جواز سفره عنده، وازداد ظلام باكستان حلكة، وهنا حزم عزام أمره وأقفل عائداً إلى مناطق القبائل على أمل العودة ثانية إلى باكستان بعد الانتهاء من إجراءات سفره.

وبين روابي قبائل وزيرستان كان اللقاء الثاني بهذا الفارس المهاب ...

ليث اذا زار الليث الهزبر له ... لم يحسب الليث إلا ثعلبا ضبعا

صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله كما وصفه الأخ سفيان المغربي: " آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ولطالما تمعر وجهه غضباً على انتهاك حرمات الله، متقناً للفنون القتالية، ماهراً في استعمال السلاح وخاصة المسدس، عاشقاً لحلقات العلم ودروس الذكر، شجاعاً مقداماً تواقاً للقتال فوق ثرى مسقط رأسه .. " وهناك بين الرواسي الشامخة عضه ناب المرض الذي لازمه لثلاثة أشهر، ولم يمنعه ذاك المرض من أن يلبي نداء الأمير ويتحرك مع ثلة من أبناء التوحيد إلى منطقة جومل حيث الصليب يسرح ويمرح، وقد غفل عنه ليوث الشهادة ...

وفوق تباب جومل ألقى عزام بعصا تسياره، وودعت الأيام مسرعة بعضها بعضاً لتحطّ به على أعتاب يوم الجمعة الأخيرة له فوق سطح هذه البرية ... حدثني الأخ سفيان عن ذلك اليوم قائلاً:- " اغتسل عزام غسل الجمعة وقد بدت على محياه النضارة والرفاهية، وخاطبني في ذاك اليوم قائلاً:- " الآن قد أنجزت عمل سنن الفطرة وإني على استعداد لأن تحتضنني الحور .. " وما أن أسدل الظلام أستاره حتى جاء خبر قدوم تسع سيارات للعلوج الصليبية وقد أجمعوا أمرهم على المبيت بالقرب من القرية التي تحوي بين جنباتها ليوث التوحيد المهاجرين .. وما أن طرق الخبر مسامع القوم حتى انتفضوا يعدون العدة للانقضاض على تلك القافلة اللعينة، وفي تلك الأثناء كانت المفاجأة فقد استدعاني عزام إلى خيمته وراح يوصيني ... وما أن اتم حديثه حتى أسر لي برقم هاتف أخيه قائلاً:- " بلغ أخي خبر استشهادي .. هكذا وبصيغة الأمر وكأن الله قد ألقى في روعه انه لن يرجع ثانية إلى الدنيا .. "

وعلى أمواج شوق نزال الغزاة تحرك الركب المبارك، وقبل المغادرة نظر عزام إلى رفيق دربه وودعه قائلاً:- " نلتقي في الجنة يا سفيان .. " وهناك في نقطة الكمين المعدة كمن عشاق الردى ...

وبعد طول انتظار وصلت قافلة ورثة قيصر، وما أن وطأت أقدامها منطقة القتل حتى انهالت عليهم قذائف الموحدين ورصاص الله أكبر ... وسعى الموت بينهم يتخطفهم وراحت ألسنة اللهب تلتف على أجسادهم وسياراتهم ... وفي تلك اللحظات التفت بعض سيارات الصليب وأهل الردة على تلك الكوكبة الربانية، وزرعت أجسادها الطاهرة برصاص غدرها وجبنها ... وبين تلك الروابي والقفار نال عزام ما تمنى، ومضى إلى ربه فريداً ماجداً بعد ان نعاه المجد .. وحُقّ لعيون الدار البيضاء ان تبكي سيدها ...

قصدت نحوه المنية حتى ... وهبت حسن وجهه للتراب

شهداء في زمن الغربة .. · الصفحة ٢٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شهداء في زمن الغربة ..ص ٢٢٣