تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أدبرت الأيام مسرعة، وبدأت تلوح في الأفق علامات الهجرة والجهاد، وما أن عرف الطريق الموصل إلى أُسود الشرى حتى حزم حقائبه وهرع يحدوه الأمل بمقارعة أعداء الملة والدين هناك فوق ذرى خراسان ...

وبعد طول سفر حطّ المهاجر الغريب رحله بين غرباء آخر الزمان ..

عرانين أبطال ليوث أعزة ... يضيق بهم ما بين سلع و فارع

اذا شمرت حرب عوان سموا لها ... بكل ردُيني وأسمر قارع

معاقلهم يوم الوغى كل سابح ... وأبيض مفتوق الغرارين قاطع

وسرعان ما التحق بمصانع الرجال فأعدّ واستعدّ، ومن ثمّ تابع مشواره فطلب العلم في دورة خاصة عند الشيخ أبي همام الفلسطيني، نهل فيها من معين التوحيد الصافي بعيداً عن ذاك التوحيد المبتور الذي يغرسه علماء الطاغوت في قلوب مريديهم ...

صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله: يتأجج ناراً ولظى على أعداء الله، ولطالما أسرّ لي بشوقه للنيل من أُولئك الرعاع المرتدين وأعوانهم الجاثمين بمكرهم على صدر أبناء التوحيد هناك في أرض الخلافة العثمانية السابقة ..

ليث أشم جسور باسل بطل ... عالي السنا طاهر الأخلاق زاكيها

وتابع الأخ أبوخالد المغربي قائلاً:- كان رحمه الله: صاحب خلق طيب، سموحاً ذا مزح ومداعبة لطيفة، يألف الناس ويألفونه ذا همة عالية، وأضاف أبوعامر السوداني قائلاً:- كانت الابتسامة لا تفارق ثغره صاحب مرح .. وأضاف الزبير التركي قائلاً:- كان كثيراً ما يغبط الشهداء على اصطفائهم ... "

شارك عاشق الوغى فرسان الحرب جهادهم، وتنقل من جبهة إلى أُخرى .. وفي إحدى المرات وفيما كان مع المرابطين مرابطاً مرض مرضاً شديداً، ولم يمنعه ذاك المرض من مشاركة أبناء التوحيد غدوتهم، ولطالما ردد قائلاً:- " نحن ضعفاء ولكن الله يعيننا " كما حدثني بذلك أبو البراء الشرقي ..

ولّت الأيام مسرعة ووقع شهيدنا فريسة مرض الصّفار الذي شل حركته، وأقعده عن منازلة علوج الصليب .. ولم يمض كثير وقت حتى منّ الله عليه بالشفاء وهبّ من مخدره، والتحق بمعاقل غرباء آخر الزمان يشاركهم غدواتهم ورواحاتهم ..

تريق سيوفه مهج الأعادي ... وكل دم أراقته جُبار

وبعد عدة أسابيع قضاها بين الليوث بدأت تلوح في الأفق علامات الرحيل .. فقد رأى قبل مقتله بأسبوعين " الحور العين في المنام " كما حدثني بعض إخوانه نقلاً عن أبي محمد الفلسطيني الذي أخبره بها الزبير .. ومن تلك الرؤيا خيم الصمت على حياة ذاك الصنديد وبدأ العد التنازلي لكمين الخلود .. تحرك الركب المبارك قاصداً تلك البقعة التي تم تحديدها مسبقاً لتكون كميناً لقوافل الصليب الأمريكي .. ، وما أن حطّ الفرسان رحالهم وأخذ كل فارس موضعه وخيم الليل على تلك البقعة، حتى أقبل عبد السلام، وراح يودعهم ويلقي عليهم نظرات الوداع الأخير على غير العادة في مثل هذه الأماكن .. صلى رهبان الليل صلاة الفجر، وما هي سوى دقائق على تلك الصلاة حتى أقبلت تلك الحافلة تشق صمت الفجر الوادع .. وهنا ظن أبناء التوحيد الكامنين أن الغنيمة قد أقبلت، وسرعان ما زغرد الرصاص وكسر حاجز الصمت، وانبرى عاشق الحور يداعب القادمين بسلاحه، وهناك بين تلك العوالي أقبلت رصاصات الشهادة تبحث عن طالبها وأخيراً .... ، وصلت مبتغاها عبد السلام وأُصيب في مقتلٍ وكبر تكبيرة الوداع الأخير وأسلم الروح إلى بارئه، وأقبلت الحور التي رآها في المنام تمسح الغبار عن وجنتيه الطاهرتين وترحل به بعيداً في الآفاق إن شاء الله

شهداء في زمن الغربة .. · الصفحة ١٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شهداء في زمن الغربة ..ص ١٨٢