وأمام شهوة السلطان وحب العلو في الأرض، تساقطت الأقنعة وبانت الوجوه على حقيقتها، وضاعت ثمرة الجهاد المبارك إلى وقت معلوم بين رصاص الطامعين في عرش كابل ...
وهنا لم يجد أبو عبدالرحمن سوى الرحيل عن أفغانستان مع بقيت تلك العصب التي نأت بنفسها عن ذاك الصراع الدامي بين الفرقاء ..
ألقى الليث الهمام بعصا ترحاله فوق روابي السودان، وهناك في العالم الجديد شمر عن ساعديّ الجد وبدأ مسيره في عالم الأعمال بعد أن زادت عليه تكاليف الحياة.
دارت رحى الزمان مسرعة وآذنت شمس الخرطوم بالأفول، وتلفت الشيخ يمنة ويسرة فلم يجد سوى اليمن ليشد الرحال إليها ...
وبين وهادها وقفارها جال وصال وأخذت العروض المغرية تنهال عليه .. فتارة تطلبه شركة أرامكوا ... وتارة أخرى يلح عليه أخوه بالعودة إلى مصر ... وتارة بريطانيا ولجوؤها السياسي ولكن .... ، أنّى للنفس التي تشربت عروقها حب الجهاد والاستشهاد أن تحيد عن هجرتها ولطالما ردد قائلاً " لقد هاجرت في سبيل الله ولن أرجع إلى الدنيا بعد أن أكرمني الله ... ".
وفيما أمواج الحياة تتقاذفه يمنة ويسرة كانت بوارق الأمل يلوح سناها فوق ذرى الهندوكوش ويمتد سناها المبارك ليضيء ليل كابل الداجي ويعلوها بشريعة القرآن .. وهنا ترامى الخبر إلى مسامع المهاجر الحيران، الباحث عن بقعةٍ يتفيء فيها ظلال القرآن، فشد رحاله ويمم وجهه شطر ذاك النور الرباني الذي طالما انتظر سناه ...
وفوق بساط الشوق سارت سفينة خطاه لتلقي بثقلها في ميناء قندهار المجد والتاريخ ...
أيام قليلة مضت وسرعان ما التحقت العائلة الكريمة بسيدها لتشاركه هموم المسيرة وغربة الطريق ووحشت الدرب المرير.
استهل أبو عبدالرحمن مشواره بإنشاء ورشة لتعليم أبناء الأفغان ذاك العلم الذي أفنى في تحصيله الكثير من عمره، ولم يمنعه ذلك من مشاركة إخوانه المهاجرين جهادهم ورباطهم ...
وهناك في معسكر الغرباء الذي يشرف عليه الشيخ أبو مصعب السوري كان اللقاء الأول بهذا الجبل الأشم ...
أشد من الرياح الهوج بطشاً ... وأسرع في الندا منها هبوبا
صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله: سخياً كريم اليد، ذا همة عالية لا تعرف الكلل وعزيمة فولاذية لا يتطرق إليها الوهن ... ونترك نجله عبدالله - الذي لحق به بعد عدة أشهر - يحدثنا عنه قائلاً:- كان رحمه الله صواماً قواماً لا يترك صيام يومي الاثنين والخميس، ذا همة عالية وعزيمة نادرة وتواضع جمّ، لا يحقر أحداً، خادماً لإخوانه معلماً لصغيرهم وكبيرهم، ذا شجاعة وإقدام، غير مجامل إذا ما انتهكت محارم الله ... "
وفيما كان شهيدنا منشغلاً بتكاليف الجهاد كان التسعة عشر موحداً على موعد مع دك صروح الصليب وتسويتها بالتراب، وغدت تلك المفاخر أحاديث وعبراً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ...
فصبحهم في دارهم شر صبحة ... عليهم وقد والاهم الطعن والضرب
أباد حماة القوم واجتاح أرضهم ... ولولاه لم يطرق لمعقلهم خطب
ساعات مضت على ذاك الفتح المبين وإذا بنعيق الصليب يعلو مهدداً ومتوعداً تلك العصب الرابضة في عرينها أفغانستان.