تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي تلك الأيام انتدب الأمير عبدالله ليكون ضمن الطاقم المكون لمجموعة الشهداء - مجموعة العمليات الخاصة بقيادة الشهيد القائد حمزة الزبير - وما ذاك إلا لفرط شجاعته وتقحمه الهول والأهوال ...

ثبت الجنان إذا الفوارس أحجمت ... خوف الردى لم يثنه إحجام

خمسون يوماً من الصبر والتضحيات، والدماء والأشلاء أفلت، وأفلت معها شمس قندهار الذهبية، وغطت المدينة بظلام دامس، وسلم الخونة مفاتيح المدينة للغزاة ...

ومضى ابن التوحيد عبدالله مودعاً وبلا عودة ثرى ذاك الوطن العزيز، الذي طالما صال وجال بين حواريه وأزقته ..

حطّ شهيدنا رحله بين رواسي شاهي كوت، وما لبث أن واصل منها مشوار رحلته الذي انتهى به هناك ضيفاً على أهالي كراتشي الذين أحسنوا نزله، أحسن الله نزلهم ..

ولم يمض كثير وقت، حتى تأزمت الأمور، واشتدت عواصف المطاردات، وأُجبر عبدالله على الرحيل، وبعد طول سفر وجد الغريب المهاجر نفسه في أحد البلدان المجاورة، التي لم يهنأ بأمنها طويلاً، فقد أُلقي القبض عليه، وأُودع مدرسة يوسف، ليتخرج منها بعد بضعة أسابيع، أشد إصراراً وأقوى عزيمة على مواصلة الطريق الوعر الدامي ...

وما هي سوى بضعة أسابيع على تنسمه أريج الخلاص، وعبير الحرية، حتى وصل نداء الهاتف، وطرق مسامعه ذاك الحادي العذب، الذي يحثه على العودة إلى عرين الأسود، ومكامن العز والفخار رواسي خراسان ...

حزم ابن مصر حوائجه، وشمر عن ساعدي الجد، وبمعية الأسرة المهاجرة سار وكله أمل بوطء ثرى رواسي غرباء آخر الزمان .. وبعد رحلة سفر مضنية، كان اللقاء، وتعانق الأحبة واجتمع الشمل ثانية بفضل الله ..

وبين تلك الرواسي بدأ مشواره الجديد مدرباً للقادمين من بعيد للذود عن حمى التوحيد، ومقارعة علوج التثليث النصراني، وأحلاف الردة والعمالة والنفاق ..

وبالرغم من انشغاله بالتدريب، إلا أن ذلك لم يحل بينه وبين هوايته المفضلة بالقتل والقتال، ومقارعة علوج الأمريكان .. فشارك الآساد رباطهم وجهادهم، وأبلى بلاءً حسناً في ما خاض من غدوات وروحات ..

وهكذا ... ، أمضى عبد الله ما تبقى له من عمر في هذه الفانية، ما بين مرابطٍ في سبيل الله ومجاهدٍ، وعاملٍ إداريٍ، ومدربٍ معدٍّ ...

تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن خطب الحسناء لم يغله المهر

وهناك .. ، وقبل الوداع الأخير، وفيما عبد الله يشارك ليوث الجهاد غدواتهم، وقد أخذته سنة من النوم في تلك الغدوة - كما حدثني بذلك شقيقه عبد العزيز - وإذ بهاتف داخلي يأمر عبد الله بأن يخفض رأسه قليلاً إلى الأسفل، واستجاب عبد الله للنداء وخفض رأسه من غير إرادة، وما أن استجاب للأمر حتى استيقظ من تلك السِنة التي راح فيها .. وبذاك الاستيقاظ كانت الكرامة الربانية، ففي اللحظة التي استيقظ فيها كانت شظية صليبية تشق طريقها بين الأشجار وتستقر في موضع رأسه قبل أن يخفضه إلى الأسفل، ولينجو بقدر الله وإلى وقت معلوم ...

شهداء في زمن الغربة .. · الصفحة ١٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شهداء في زمن الغربة ..ص ١٥٩