تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد ثمانية وعشرين يوماً على ذاك الجمع الغاشم، أنشبت الحرب أظفارها، واستعر أوارها، وانبرى الليوث وقد شرعوا أسنتهم، وراحوا يذودون عن حمى الله أكبر مسترخصين المهج والأرواح، والأشلاء والدماء، في سبيل الحفاظ على إمارتهم الإسلامية قائمة في عالم الجاهلية الآسن ...

وبعد طول صبر، وكثير تضحيات سقطت كابل، وسُلِّمت لعباد الصليب وعملائهم المرتدين، ولم تجد عصب التوحيد المتبقية سوى الرحيل إلى خوست، ومن هناك تابع ابن ليبيا مشوار غربته وألقى بعصا تسياره بين مضارب القبائل البشتونية ...

وفوق تلك الرواسي المطلة على روابي أفغانستان، وعلى الرغم من الجراحات التي خلفها سقوط الإمارة الإسلامية في النفس، إلا أن شهيدنا بدأ مشواره من جديد نائياً بنفسه عن تلك الجراح، وسرعان ما بزغ نجمه وعلا كعبه، وظهرت مواهبه العسكرية الفذة، فقاد المعامع واقتحم ساح المنايا، وأشرف على إعداد العدة لكثير من العمليات التي خاضها، وأعد الشباب المهاجر إلى ربه والمناصر .. وبرع في العلوم العسكرية، وأتقن علوم المتفجرات، وعلا كعبه في علم الالكترونيات، وبزغ نجمه في استخدام المدفعية .. ولطالما ردد أمام أميره أبي الليث قائلاً: " كل الذي برعت فيه لم أجد فيه نفسي وروحي، ولم أشعر بطاقتي تتفرغ من جسدي حتى نلت نصيبي الحقيقي من العلوم العسكرية والتدريب .. "

وهناك في معقل من معاقل الغرباء بدينهم، كانت الخطا تسوقني لألتقي بذاك الجبل الأشم الذي طالما سمعت عنه ..

كالسيف في القد والصرامة ... والروعة ولكن حليه الأدب

صفاته وأخلاقه: كان رحمه الله: ذا همة عالية وعزم أكيد، وشخصية جذابة تأسرك، وإدارياً من الطراز الأول، خادماً لإخوانه حريصاً على تعليمهم، أميراً يستحق الاحترام والتقدير .. وأضاف الشيخ أبو الليث الليبي قائلاً: كان رحمه الله ذا حماسة قلما تجدها في غيره، خادماً للصغير والكبير على السواء تشعر وكأنه أب للجميع ... إدارياً من الطراز الأول، بارعاً ماهراً في العلوم العسكرية وخاصة المتفجرات والالكترونيات والمدفعية ... صانعاً للعمليات العسكرية مخططاً لها مشاركاً فيها موجهاً لها .. لا تراه إلا مشغولاً بعمل، قليل النوم وكان مثالاً للأخ الشفوق المحرض لإخوانه المحفز لهم .. موزعاً للأعمال كلٌ على حسب رغبته وقدرته .. وكان لا يعطي ظهره لعدو ما دام هناك أخ خلفه .. ولطالما حمل أسلحة إخوانه المتعبين بعد أن يرموها أرضاً من شدة الانهاك .. "

تصرمت الأيام مسرعة، ومضى رفيق دربه سراج الليبي إلى جوار ربه، مخلفاً وراءه زوجه وابنتين .. وهنا تلفت أخو الشهامة والوفاء يمنة ويسرة، وإذ بحديث الحبيب المصطفى ? يلوح أمام ناظريه ﴿أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى﴾

وأمام هذا الحديث المبشر بالخير العظيم، تقدم المدير من زوجة رفيق الدرب، واقترن بها طمعاً في كفالة الأيتام، ورجاءً فيما عند الله، كما قص علي ذلك أبو الليث الليبي.

ولما أن كانت الرؤيا الصالحة مبشرات خير للعبد، فقد أكرم الله شهيدنا برؤيا خير رآها له الشيخ أبو الليث الذي قصها علي قائلاً: " في ليلة السابع والعشرين من رمضان، وبعد أن فرغت من ختمي لكتاب الله في تلك الليلة المباركة أويت إلى فراشي، لأرى في ما يرى النائم أنني أُلقن أحداً ما أسماء الشهداء من الإخوة المتزوجين، وقلت لمن أُلقنه أسماء الشهداء اكتب بشير، فنظر إلي الكاتب وقال: أكتب محمد .. فقلت له: اكتب البشير فكتبه .. وما هي سوى لحظات حتى نظرت إلى عبد الله جان وإذ به نائم بجواري فقلت للكاتب: اكتب هذا، فقال لي: الاثنين، فقلت له: نعم فكتب عبد الله جان .. " والعجيب في الأمر والحديث

شهداء في زمن الغربة .. · الصفحة ١٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شهداء في زمن الغربة ..ص ١٤٩