تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التحق أبوعامر بمعسكرات التدريب، وما أن أكمل إعداده حتى التحق بأبناء التوحيد المرابطين حول الثغور ...

شارك أبو عامر المرابطين رباطهم والمجاهدين جهادهم متمثلاً قوله عليه الصلاة والسلام ﴿رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها﴾

سارت رحى الزمان مسرعة، وبدأت الخواطر تغزو مخيلة أبا عامر فالطواغيت أمثال جون قرنق والزنادقة من أمثال حسن الترابي يقضون مضجعه، ويؤرقون النوم في مقلتيه، والأُمة سادرة في سباتها، ولا بد من إزالة تلك الهامات التي أزكمت الأنوف رائحتها العفنة .. ورسخت الفكرة في ذهنه وراح يعد العدة لذاك الأمر الجلل، وسرعان ما أسر لي بما يجول في خلده، ولم يجد سوى الترحيب والتشجيع فهذا أمر لا يقدم عليه سوى الأفذاذ والأفذاذ فقط ..

همام له كالبرق أصدق همة ... وعزم كماضي السيف أنفع من قطر

صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله: " فاكهة المراكز ذا حياء جمّ وأدب رفيع وصبر عجيب، تالياً لكتاب الله عفيف النفس كريم اليد ولوعاً بكتابات الشيخ أبي محمد المقدسي مما دعاني بأن أُناديه بأبي عامر المقدسي .. " وتابع الأخ عمر سيف الأمير واصفاً هذا الراحل العزيز بقوله: كان رحمه الله تالياً لكتاب الله قائماً به الليل، حريصاً على الخير، التبكير إلى الصلوات ديدنه، والأذان همه، وخدمة الإخوان حرصه .. واسترسل في الحديث قائلاً:- " طلب الأمير العام من أمير إحدى الجبهات أن يرسل مجموعة من الإخوان إلى المركز الخلفي، وبعد ان أعلن الأمير الأسماء كان من ضمنهم الأخ أبوعامر الذي سرعان ما خرج من المصلى ودخل خيمته، وراح يبكي، وانطلق على إثره أخ آخر يحثه على السمع والطاعة .. وهنا تدخلت وقلت للأخ الأمير لو تذهب بنفسك تصبره وما أن وصلنا الخيمة وأبصرنا أبا عامر حتى انفجر في البكاء وكأنه فقد أحداً من أقاربه، وما أن رأى أمير الجبهة المنظر حتى أقسم بعدم إرساله ....

مقيم مع الهيجاء في كل موطن ... كأنك من كل الصوارم في أهل

بدأ عاشق المجد مشواره فنهل من معين الدورات الخاصة ما نهل .. وما أن أنهى إعداده حتى بدا له أن يلتحق ثانية بجبهات

القتال ليطبق ما تعلم واقعاً عملياً في ميدان الحتوف، وشاء الله أن يكون ذلك مع إعداد أبناء التوحيد لغزوة اللوارا التي سرعان ما التحق بكوادرها، ولم يدر في خلده أنه لن يعود منها ...

أكمل الفرسان إعدادهم، وسرعان ما بدأ العد التنازلي لغزوة اللوارا، وبعد طول انتظار انطلق الركب المبارك، والآمال تزين رؤاه بدك حصون الصليب والردة ..

وصلت الطلائع وصلّت صلاة الفجر ثم انطلقت مكملةً المسير إلى عوالي الجبال، أخذ الآساد مواقعهم وراحوا ينتظرون ساعة الصفر، إلا أن الضباب حال بينهم وبين ما أرادوا وأُرجئت العملية إلى اليوم التالي .. وفي صباح اليوم التالي وفيما أبناء الوغى يستعدون للانطلاق راح أبوعامر يبحث عن اليراعة والقرطاس ليسطر آخر كلامه في وصيته الأخيرة التي غاب عن ذهنه كتابتها في خضم الأحداث، انطلق أبوعامر وقد زين كتفه بقذيفة هاون قاصداً التباب المجاورة، وفوق الروابي ألقى بعصا تسياره وراح ينتظر مع بقية رفقائه أمر الأمير ..

ولم يمض كثير وقت حتى جاء النداء وراح دويّ القذائف يشق سكينة الوهاد والرواسي الشامخات وأخذت الأرض تتفجر براكين تحت أقدام الغزاة، وأقبلت الطائرات الصليبية، وأمطرت الأرض بقنابلها العنقودية إلا أن الله سلّم ورد كيدهم في نحورهم ... وانحاز أبو عامر، وشاركته مسيرة العودة التي غلفها الصمت على غير العادة، وفي الطريق الطويل أسدل الظلام بأسداله علينا، وسرعان

شهداء في زمن الغربة .. · الصفحة ١٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شهداء في زمن الغربة ..ص ١٤٢