تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الوقت الذي كان مهندس العمليات الاستشهادية صائلاً جائلاً بين أروقة معامله الخاصة، كان الرواد التسعة عشر على موعد مع تحطيم كبرياء الصلف الأمريكي .. ، فبعد أن أعدّ الرواد عدتهم، انطلقوا على بركة الله بطائرات الشهادة، وارتطموا برموز عاصمة الشيطان في الأرض، وأحالوها أثراً بعد عين ...

هدم العروش الشامخات وردها ... بعد المهابة والجلال رغاما

بلغت مكان النيرات فأصبحت ... وكأنها لم تبلغ الأقداما

وهنا وعلى إثر الماحقة التي حلت بديار الصليب الأمريكي، بدأت جحافل التثليث النصراني بالتوافد على بلاد خراسان، قاصدة غزوه والنيل منها، وسرعان ما أحاطت بها، لتتعانق الصفاح بعد بضعة أسابيع، وتشتبك الأسنة والقواطع، وانبرى الآساد يذودون حن حماهم، ومن بين النافرين كان ابراهيم المهاجر الذي اقتحم مكامن الموت، وراح يزرع أرض مطار قندهار بمعية الرواد بألغام الموت، تحسباً لأي إنزال صليبي .. وهناك في غدوة من غدواته المباركة، وقد استقل حافلته واقتحم بها ساح المنايا بمعية الأسد الشهيد عبد العزيز المقرن، كان شهيدنا على موعد مع ملاحقة الطيران الصليبي له، فبعد أن توغل بحافلته في ميادين الحتوف، بدا له أن ينزل من حافلته، بعد أن خالجه شعور غريب أن الحافلة ربما تقصف الآن .. وما أن غادرها وأخذ ساتراً، حتى غدت الحافلة كتلة من نار تشتعل، ولينجو مع رفيق رحلته بقدر من الله ...

خمسون يوماً من الصبر والمصابرة، والدماء والأشلاء، وإذ بقندهار تسقط بيد بني الأصفر القادمين من بعيد ... ، وليرحل المهاجر برفقة العصب الموحدة الباقية على العهد إلى باكستان، ليتابع منها، بعد أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت، مشوار غربته، ويلقي بعصا تسياره بين حارات إحدى البلدان المجاورة ..

وهناك ضاقت نفسه الأبية، وحنّ القلب لمجالدة أبناء الردة ومجاميع التثليث النصراني ..

كأنهم ولدوا في الحرب وارتضعوا ... سائلاً من نجيع الطعن موار

وعلى بركة الله سارت خطاه تحفها العناية الربانية، وبعد طول سفر حطّ رحله في ميناء الغرباء بدينهم، الذين إذا رأيتهم ذكرت الله - نحسبهم والله حسيبهم -.

بدأ المهاجر الغريب بدينه بين سائر الناس، مشواره الثالث أميراً ومهندساً للعمليات الاستشهادية، ومعداً للاستشهاديين الذين أحالوا -فيما بعد- فرحة الصليب نكداً وهمّاً، وحزناً وكمداً يجلل مطلع أيامهم البائسة .. ، وكان آخرهم عثمان الباكستاني الذي دك - بفضل الله - معقل الشر الأمريكي في كراتشي ....

هم القوم سادوا كل حي وشيدوا ... مراتب لم تبلغ مداها النعائم

توالت الأيام مسرعة، لتحطّ بإبراهيم على أعتاب يوم مبارك، ففي مساء ذاك اليوم رأت بنيته أنها تعطيه ثوباً أخضرا ... واستبشر المهندس خيراً بتلك الرؤيا، وربما أدرك أن موعد الشهادة قد اقترب.

أشهر مضت وإذ بتلك الرؤيا تتجسد واقعاً حياً في عالم المحسوسات ودنيا البشر .. ، فبعد ما يزيد عن خمسة عشر عاماً من البذل والعطاء، والتضحية والفداء، أذن العلي القدير لعبده المهاجر، أن ينزل عن صهوة جواده بعد هذا العطاء والبذل السخي الكريم ...

ففي يوم مشهود من أيام القبائل البشتونية، وبعد أن ترامى إلى مسامع بني الأصفر، عبر نداءات عيونهم المرتدة أن الهدف في معقله، انطلقت طائراته الماكرة، وتحت جنح الظلام أمطرت تلك البقعة الطيبة بوابل مكرها، وأحالة المعقل إلى ركام فوق ركام ..

شهداء في زمن الغربة .. · الصفحة ١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شهداء في زمن الغربة ..ص ١٤