والظاهر أنّ لتخصيص الرخصة بسالم رضي الله عنه من دون الناس وجه من حيث اختيار معظم أمهات المؤمنين له، وذهاب معظم الصحابة وجمهور العلماء إلى القول به، وهوالمفهوم من ظاهر النصوص المعارضة لحديث سهلة بنت سهيل، ولوكان الأمر على إطلاقه لشاع بين الصحابة الكرام فمن بعدهم من السلف، وتعدّدت طرقه، ورويت أخباره.
ولذلك فالراجح في المسألة هوقول الجمهور باشتراط كون الرضاع قبل الفطام لتحليل الخلوة وتحريم النكاح، والله أعلم.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى الجمع بين القولين السابقين بالترخيص في إرضاع الكبير وترتيب أحكام الرضاعة عليه في التحليل والتحريم عند وجود المشقة في الاحتجاب عنه، وعدم الاستغناء عن دخوله على النساء، كما في قصة سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهما، وهذا القول منسوب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهوبعيد لأنّ المشقّة غير منضبطة، أما لوكانت ضرورة، فللضرورة شأنٌ آخَر، والضرورات تقدّر بقَدَرِها.
تنبيه: أشكل على البعض رضاع الكبير من المرأة، مع ما يُشعِر به ذلك من تلامس بشرتيهما رُغم عدم وقوع التحريم قبل تمام الرضاع خمساً، ومن أحسن ما قيل في توجيه ذلك قول الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم (1/ 31): (قال القاضي: لعلّها حَلَبَته ثم شرِبَه، دون أن يمسَّ ثديَها، ولا التَقَت بشرتاهُما، وهذا الذي قاله القاضي حَسَنٌ، ويُحتَمل أنّه عُفيَ عن مسّه للحاجة، كما خُصَّ بالرضاعة مع الكِبَر، والله أعلم).
ولا يفوتني التنبيه أيضاً عند الحديث عن رضاع الكبير على ضرورة ذِكر الحكم الراجح في المسألة، وعدَم التوسّع إلا عن عِلمٍ وإحاطةٍ بجميع ما روي في هذا الباب وأقوال العلماء فيه، وتوجيههم للنصوص، وتوفيقهم بينها لسدّ أبواب تطاول الرافضة على أمّ المؤمنين الطاهرة الصدّيقة بنت الصدّيق، وتنقّصهم لها.