فبان من قراءة ابن فارس نكتة: أن التفرق يقع في الماديات المحسوسة، والاختلاف يكون في الرأي. فكان الثاني من دواعي الأول. إذا أدركت هذا، فلم قدّم الحق سبحانه وتعالى التفرق على الاختلاف وضعاً في الآية مع أن الأول من آثار الثاني؟ والجواب أن التفرق الحاصل لا بد وأنه قد سبقه خلاف آخر أدى إلى التفرق. ولقائل أن يقول: لم لم يذكر الاختلاف الأول المسبب للتفرق فيحذر منه لئلا تقع الفرقة. أجيب بأنه ليس من شأن كل اختلاف أن يؤدي إلى فرقة. فسكوت القرآن الكريم عنه إشارة إلى أن اختلافكم لا ينبغي أن يكون مدعاة لتفرقكم، لأن الأصل فيه أن يكون في فروع الشريعة المحتملة للخلاف والتي فيها سعة لا في الأصول. والله أعلم.
ولقد ذكر الله تعالى فرقة أهل الكتاب كيف وقعت بعد الاختلاف، فقال تعالى: ﴿ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ . الآية. فذكر أن الاختلاف كان سبباً في أشنع صور الفرقة، وهو الاقتتال، فلم يذكر الفرقة لأنهما مفهومة ضمناً من احتراب الفرقاء واقتتالهم.
فما معنى اختلفوا التي جاءت بعد تفرقوا في الآية إن لم يكن هو الاختلاف المسبب للتفرق؟ أجيب بأن شر الفرقة المستطير من اقتتال وسفك دماء قد يخمد وتنتهي ظاهراً معالمه. ولكن ما يعقبه هو اختلاف القلوب وامتلاؤها بالضغائن، وعندها تكون النتائج عصيبة للغاية. ولعل هذا المعنى هو الذي أشارت إليه الآية. والله أعلم.