2 - هجرة مندوبة:
وذلك عندما يستطيع المسلم أن يُظهر دينه في بلد إقامته، ويقوم بالواجبات الدينية التي فرضها عليه ربه -سبحانه وتعالى-، ويضمن أن لا يُكره على مظاهرة المشركين في قتالهم ضد المسلمين .. فحينئذٍ تكون الهجرة بحقه مندوبة مستحبة غير واجبة. ...
أما أنها مندوبة مستحبة فهو للعمل بالنصوص الشرعية العديدة التي تحض على الهجرة وترغب بها، وقد تقدم ذكر بعضها .. أما أنها غير واجبة فهي للأحاديث العديدة التي تصرف حكم الوجوب عمن اتصف بما تقدم ذكره، وإليك بعض هذه الأحاديث: ... عن عبد الله بن عمرو: أن رجلاً أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني جئت أبايعك على الهجرة، ولقد تركت أبوي يبكيان. قال:" ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما " [1]. ... وهذا يُحمل على الهجرة المندوبة، وعلى اعتبار أن السائل يستطيع أن يُظهر دينه ويقوم بالواجبات الدينية .. والله تعالى أعلم. ... وعن أبي سعيد الخدري: أن أعرابياً سأل النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عن الهجرة، فقال:" ويحَك إن شأن الهجرة شديد فهل لك من إبل "؟ قال: نعم، قال:" فهل تؤدي صدقتها "؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار؛ فإن الله لن يترك من عملك شيئاً " متفق عليه. ... وقال -صلى الله عليه وسلم-:" من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يُدخله الجنَّة، هاجر في سبيل الله، أو جلسَ في أرضه التي ولد فيها " البخاري. ... فتأمل كيف صرف وجوب الهجرة عمن يستطيع أن يُظهر دينه ويقوم بالواجبات الدينية المفروضة عليه في أرضه التي ولد فيها. ... قال ابن قدامة في المغني 9/ 237: من تُستحب له الهجرة ولا تجب عليه، وهو من يقدر عليها لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر، فتُستحب له ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه لإمكانه إقامة واجب دينه بدون الهجرة. ... وروينا أن نعيم النحام حين أراد أن يُهاجر، جاءه قومه بنو عدي فقالوا له: أقم عندنا وأنت على دينك، ونحن نمنعك ممن يريد أذاك، واكفنا ما كنت تكفينا، وكان يقوم بيتامى بني عدي وأراملهم، فتخلف عن الهجرة مدة ثم هاجر بعد، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:" قومك كانوا خيراً لك من قومي لي؛ قومي أخرجوني وأرادوا قتلي، وقومك حفظوك ومنعوك " ا- هـ. ... [1] صحيح سنن النسائي: 3881.