مقدمة.
بسم الله الرحمن الرحيم ...
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له. ... وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ... ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران:102. ... ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ النساء:1. ... ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ الأحزاب:71. ... أما بعد: فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد، فإن المسلم في حياته الدنيا لا بد له من أن ينحاز بكليته ـ ظاهراً وباطناً ـ إلى الله تعالى وإلى مرضاته .. فيلتمس البقعة من الأرض التي تتحقق فيها ـ على الوجه الأكمل ـ سلامة العبادة والدين .. الأرض التي يستطيع أن يُظهر فيها دينه .. ويُحيي الغاية التي خُلق الخلق لأجلها؛ ألا وهي عبادة الله تعالى وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات:56. ... وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ البينة:5. ... فالهجرة من هذا الوجه مستمرة وباقية ما بقي الجهاد، وجوهد العدو .. والجهاد باقٍ ما بقيت السماوات والأرض .. وهو ماضٍ مع كل برٍّ وفاجر .. وبإمامٍ ودون إمام .. وإلى أن تقوم الساعة .. فالهجرة والجهاد خطان متوازيان ومترابطان .. وكل منهما لازم وملزوم للآخر .. وسبب ومسبب له. ... فمن أراد أن يُحيي فريضة الجهاد لا بد له أولاً من أن يُحيي في نفسه فريضة الهجرة والتمايز إلى الله ورسوله .. والذين آمنوا .. وينحاز بكليته إلى المعسكر والتجمع الإيمانيين حيثما وجدا .. ووقت يتواجدا .. ويتحقق لديه التمايز والمفاصلة ـ المادية والمعنوية ـ عن التجمعات الجاهلية ومعسكراتها بقدر المستطاع، وبقدر ما تقتضيه المصلحة والسياسة الشرعية .. فالهجرة ـ بمعناها العام ـ مقدمة ضرورية وجادة لإحياء فريضة الجهاد .. وانبعاث عمل إسلامي جاد يستهدف استئناف حياة إسلامية على جميع مستوى ومرافق الحياة .. وإيجاد جيل إسلامي فريد يرقى إلى مستوى الإسلام والدعوة إلى الله .. ومستوى النهوض بتبعات الأمانة العظيمة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها .. وحملها الإنسان! ... هذا الارتقاء المنشود إلى مستوى هذه الأمانة .. لا يمكن أن يتحقق شيء منه في ظل غياب التمايز والمفاصلة التامة للجاهلية المعاصرة بكل تجمعاتها ومؤسساتها .. ! ... لا يمكن أن يتحقق شيء منه في ظل اختلاط الرايات والمفاهيم والتصورات .. والتعايش الآمن الموهوم بين الحق وأهله من جهة والباطل وأهله من جهة أخرى .. ! ... لا يمكن أن يتحقق شيء منه والمرء يقدم شبابه وعمره، وكل ما يملك في سبيل الطواغيت الظالمين .. ! ... وهذا لا يعني ضرورة انعدام الاحتكاك أو الاتصال بالتجمعات الجاهلية المعاصرة المحيطة بالدعوة بقدر ما تقتضيه الضرورة والمصلحة أو السياسة الشرعية .. لا .. لا نعني هذا، وإنما نعني أن لا يكون هذا الاتصال أو الاحتكاك هو الأصل، وهو الدائم الذي تركن إليه النفس .. وما سواه من التمايز والمفاصلة يكون فرعاً وحالة استثنائية طارئة ومؤقتة .. ! ... نعني الاحتكاك أو الاتصال الظاهر .. يكون على قدر الضرورة والحاجة، وعلى قدر ما تقتضيه مصلحة الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. مع المحافظة الدائمة على العزلة الشعورية، والهجرة الباطنة عن كل ما يمت للجاهلية من صلة ..