3 - المسألة الثالثة:
هل الهجرة محصورة من دار الكفر إلى دار الإسلام .. أم أن لها صور أخرى أوسع من ذلك؟ ...
الجواب: الحمد لله رب العالمين. للهجرة بواعث وغايات .. فحيثما تتواجد البواعث وتتحقق الغايات تتعين الهجرة .. وعليه فالهجرة ليست محصورة من دار الكفر إلى دار الإسلام .. فقد تكون الهجرة من دار كفر إلى دار إسلام .. ومن دار كفر مغلظ ومركب إلى دار كفر مجرد، ومن دار ظلم وفسق إلى دارٍ أقل منه ظلماً وفسقاً .. ومن دار خوف إلى دار أمن وأمان .. اتباعاً للقاعدة الشرعية التي تلزم بتلمس أقل الضرر ودفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر. ... قال الشوكاني في السيل الجرار 4/ 576: فليس هذا الوجوب ـ أي وجوب الهجرة ـ مختصاً بدار الكفر بل هو شريعة قائمة، وسنة ثابتة عند استعلان المنكر، وعدم الاستطاعة للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم وجود من يأخذ على أيدي المنتهكين لمحارم الله، فحق على العبد المؤمن أن ينجو بنفسه ويفر بدينه إن تمكن من ذلك، ووجد أرضاً خالية عن التظاهر لمعاصي الله .. ا- هـ. ... وعليه فالهجرة تصح أن تكون من مدينة إلى مدينة في القطر الواحد .. ومن قرية إلى قرية .. بل ومن حيٍّ إلى حي .. بحسب ما يسود في كل قرية أو حيّ من فساد أو صلاح .. أو منفرات وبواعث تستدعي الهجرة. ... فقد عرفنا ـ من خلال تجوالنا في أرض الله الواسعة ـ أن في المدينة الواحدة ـ كما في بعض البلدان ـ توجد أحياء يسود فيها كل دواعي الفسوق والمنكر .. تخلو من وجود المساجد .. أو المظاهر التي تذكرك بالله تعالى .. ويغلب على سكانها الكفر والمجون والفسوق، والغفلة والشرود عن الطاعة .. وفي نفس المدينة توجد أحياء أخرى يكثر فيها المسلمون والصالحون .. وتكثر فيها المساجد والتجمعات الإسلامية التي تذكرك بالله .. وتأخذ بيدك إلى جادة الحق والاستقامة .. وتقل فيها مظاهر الفسوق والمنكر .. ففي هذه الحالة لا شك أنه يندب الانتقال ـ على نية الهجرة في سبيل الله ـ من الأحياء التي تكثر فيها مظاهر الفسق والمجون .. إلى تلك الأحياء الأخرى التي تكثر فيها مظاهر الطاعة والاستقامة .. وربما أحياناً يجب بحسب التفصيل المتقدم عند الحديث عن أحكام الهجرة [1]. ... ونعرف قرى لا يوجد فيها جمعة ولا جماعات .. ولا يستطيع المسلمون أن يُقيموا فيها جمعة ولا جماعة .. وقرى مجاورة لها تقام فيها الجمعة والجماعات .. ففي مثل هذه الحالة لا شك أن الشارع قد حض على الهجرة والانتقال ـ على نية الهجرة في سبيل الله ـ من تلك القرى التي تعدم فيها الجمعة والجماعات إلى القرى التي تقام فيها الجمعة والجماعات .. ويُرفع فيها الأذان ويكثر فيها الصلاح. ... فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" ما من ثلاثةٍ في قرية ولا بدوٍ، لا تُقام فيهم الصلاة إلا استحوذَ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية " [2]. ... وقال -صلى الله عليه وسلم-:" من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة؛ طبع الله على قلبه ". ... وقال -صلى الله عليه وسلم-:" من ترك الجمعة ثلاث جُمع متواليات؛ فقد نبذ الإسلام وراء ظهره " [3]. ... فالجمعة والجماعات شأنها عظيم في الإسلام لا يمكن التساهل أو التفريط بها ـ من غير ضرورة أو عذر شرعي معتبر ـ بأي صورة من الصور .. وتحت أي ظرف أو زعم كان. ... والشاهد مما تقدم أن مجالات الهجرة أوسع بكثير ـ لمن أراد أن يتقي الله تعالى ـ من أن تنحصر في الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام وحسب .. ومن طلب السلامة بصدق تحققت له ولو بعد حين قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ الطلاق:2 - 3. ... وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ الطلاق:4. ... [1] هذه الأحياء كما يوجد منها في البلاد العربية كذلك يوجد منها في البلاد الأوربية الغربية .. حيث توجد أحياء لا أثر فيها لذكر الله تعالى أو لوجود المسلمين فضلاً عن وجود المساجد التي تقام فيها الجماعات .. وفي نفس المدينة توجد أحياء أخرى أغلب سكانها من المسلمين .. لا تكاد ترى فيها أحداً غير المسلمين ..