تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4 - المسألة الرابعة:

4 - المسألة الرابعة: قد كثر في الآونة الأخيرة هجرة كثير من المسلمين إلى بلاد الغرب .. فهل هؤلاء تكتب لهم هجرة في سبيل الله أم أن لهم حكم آخر .. ؟ ...

الجواب: الحمد لله رب العالمين. المسألة مردها إلى أمرين: الباعث الذي حمله على الهجرة، ونيته من وراء هجرته إلى بلاد الغرب أو غيرها. ... أما الباعث: فيكون بالنظر إلى السبب الذي حمله على الهجرة، فإن كان سبباً وجيهاً ومعتبراً في الشرع؛ كأن يكون في بلده الأصلي غير قادر على إظهار دينه، وممارسة شعائر دينه .. أو كان مهدداً ـ ظلماً وعدواناً ـ بالقتل أو السجن ونحوه .. ولم يجد بلداً إسلامياً يأويه أو يجيره .. ولم يجد سبيلاً لدفع هذا الظلم عن نفسه .. ووجد في البلد الغربي المهاجر إليه الأمان على نفسه وأهله .. والفرصة السانحة له لإظهار دينه .. وعبادة ربه على وجه أفضل مما يكون عليه وهو في بلده الأصلي .. فالباعث حينئذٍ يكون مشروعاً ومستساغاً. ... أما النية: لا بد أن تكون نيته من وراء هجرته وإقامته في بلاد الغرب طلب السلامة لدينه ونفسه وأهله .. وعبادة ربه على الوجه الأكمل .. وليس طلب الدنيا وزينتها، أو امرأة ينكحها، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه " متفق عليه. ... أقول: إن صلحت النية .. وصلح الباعث على الهجرة وكان معتبراً في الشرع .. كتبت هجرته ـ إن شاء الله ـ هجرة في سبيل الله .. ولو كان بلد المهجر هي من دول الغرب .. مع ضرورة المحافظة على النية الصادقة بالخروج والهجرة منها عندما يتسنى له الخروج إلى دارٍ أكثر إيمانٍ وأمان .. وأقل فتنة على نفسه ودينه. ... وإن فسدت النية .. وفسد السبب الباعث على الهجرة .. لا تعتبر هجرته هجرة في سبيل الله .. وربما يقع في الإثم والوزر بحسب المزالق التي يقع فيها في تلك الديار. ... فإن قيل أين الدليل على ما تقدم .. ؟ ... أقول: فقد هاجر الصحابة إلى الحبشة، وكانت دار كفر .. ولكن لما صلحت النية .. ووجد الباعث المعتبر على الهجرة .. كتبت لهم هجرة في سبيل الله. ... وقد تقدم كلام ابن حزم في المحلى قوله: وأما من فرَّ إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يُحارب المسلمين، ولا أعانهم عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه لأنه مضطر مكره. ... وقد ذكرنا أن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب، كان عازماً على أنه إن مات هشام بن عبد الملك لحق بأرض الروم؛ لأن الوليد بن يزيد كان نذر دمه إن قدر عليه، وهو كان الوالي بعد هشام، فمن كان هكذا فهو معذور ا- هـ. ... قلت: الزهري ـ وهو من كبار علماء السلف الصالح ـ همّ أن يهاجر إلى بلاد الروم طلباً للنجاة مع وجود أرض الإسلام .. ودولة وخلافة الإسلام .. ولكن لما كان مكرهاً كان معذوراً كما يقول ابن حزم. ... أقول: كيف بزماننا وقد اشتد ظلم وإرهاب حكام بني جلدتنا على الإسلام والمسلمين .. إلى أن وصل بهم ظلمهم وكفرهم ـ كما في كثير من البلدان ـ أن يعتبروا اللحية وارتداء الزي الإسلامي جريمة نكراء يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام .. ! ... إضافة إلى ذلك انتفاء وجود الأرض الإسلامية التي يمكن أن يلتجئ إليها كل من اضطهد في دينه من المسلمين .. لا شك أن اعتبار الإكراه في مثل هذه الظروف والقول به أولى من الظرف أو الإكراه الذي تعرض له الإمام الزهري .. والله تعالى أعلم [1]. ... وفي الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن المستورد القرشي قال وهو عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:" تقوم الساعة والروم أكثر الناس "، فقال له عمرو: أبصر ما تقول، قال أقول ما سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقةً بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرَّة، وخيرهم لمسكين ويتيمٍ وضعيف، وخامسةٌ حسنةٌ جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك. ... هذه الخصال الحسنة التي استنبطها الصحابي عمرو بن العاص -رضي الله عنه- من الحديث قبل أكثر من (1400) سنة .. نلمس كثيراً منها يُعمل بها في بعض الدول الغربية السائدة في هذا الزمان .. وبخاصة خصلة " وأمنعهم من ظلم الملوك " .. !

مسائل.. وأحكام · الصفحة ٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مسائل.. وأحكامص ٣١