1 - المسألة الأولى:
قد تقدم أن الهجرة باقية ما جوهد العدو .. وأنها ماضية إلى يوم القيامة .. فكيف نوفق بين ذلك وبين قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح:" لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا " متفق عليه. ...
الجواب: الحمد لله رب العالمين. لا تعارض ـ ولله الحمد ـ بين القولين: بين الأحاديث الدالة على أن الهجرة ماضية إلى قيام الساعة وبين الحديث الآنف الذكر " لا هجرة بعد الفتح ". ... والتوفيق بينهما أن الهجرة ماضية إلى قيام الساعة .. وما جوهد العدو .. وأن قوله -صلى الله عليه وسلم-:" لا هجرة بعد الفتح " يُراد به معنيان: أن مكة أصبحت بعد الفتح دار إسلام وأمان لا يوجد ما يستدعي الهجرة منها، كما كان عليه الحال قبل الفتح. ... والمعنى الآخر: أن الهجرة المفضلة والمميزة عن سواها والخاصة بهجرة المسلمين من مكة إلى المدينة المنورة قد انقطعت، ومضت لأصحابها الذين هاجروا قبل فتح مكة. ... ومما يؤكد هذا المعنى الحديث الذي أخرجه مسلم عن مجاشع بن مسعود -رضي الله عنه- قال: جئت بأخي أبي معبد إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد الفتح، فقلت: يا رسول الله بايعه على الهجرة، قال:" مضت الهجرة بأهلها "، قلت: فبأي شيء تبايعه؟ قال:" على الإسلام، والجهاد، والخير ". ... فقوله -صلى الله عليه وسلم-:" مضت الهجرة لأهلها " أي الهجرة الخاصة من مكة إلى المدينة .. فقد مضت لمن هاجر قبل فتح مكة .. فهو باب خير أغلق بعد فتح مكة وتحولها إلى دار إسلام وأمان. ... قال النووي في الشرح 13/ 8: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة، وتأولوا هذا الحديث تأويلين: أحدهما لا هجرة بعد الفتح من مكة لأنها صارت دار إسلام. والثاني: وهو الأصح أن معناه أن الهجرة الفاضلة المهمة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازاً ظاهراً انقطعت بفتح مكة ومضت لأهلها الذين هاجروا قبل فتح مكة ا- هـ. ... قلت: الحديث يحتمل المعنيين معاً، ولا تنافي في ذلك .. والله تعالى أعلم. ... قال ابن حجر في الفتح 6/ 39: المعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن والنية في جميع ذلك. ... قال ابن العربي: الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضاً في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، واستمرت بعده لمن خاف على نفسه، والتي انقطعت أصلاً هي القصد إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث كان ا- هـ. ... قال ابن تيمية بعد أن ذكر قوله -صلى الله عليه وسلم-:" لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية "، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " لا تنقطع الهجرة ما جوهد العدو ": كلاهما حق؛ فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه وهي الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب، فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب وكان الإيمان بالمدينة، فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها، فلما فُتحت مكة وصارت دار إسلام ودخلت العرب في الإسلام صارت هذه الأرض كلها دار إسلام، فقال:" لا هجرة بعد الفتح ". ... فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة، كتوبته وانتقاله من الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة، وهذا أمر باق إلى يوم القيامة، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾. قالت طائفة من السلف: هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة [1] ا- هـ. ... [1] الفتاوى: 18/ 181،184.