تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قيل: فما الدليل على وجوب الهجرة هنا .. ؟ ... أقول: قد تقدم ذكر بعض الأدلة التي تفيد وجوب الهجرة على من كان هذا وصفه وظرفه، ونعيد هنا ذكر بعضها. ... قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ النساء:97. ... وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" برئت الذمة ممن أقام مع المشركين في بلادهم ". ... وقال -صلى الله عليه وسلم-:" من جامع المشرك، وسكن معه فإنه مثله ". ... وقال -صلى الله عليه وسلم-:" إني بريء من كل مسلم مع مشرك .. ألا لا تراءى نارهما ". فهذه الأحاديث ونحوها كلها تفيد وجوب الهجرة، وهي محمولة على المعنى الآنف الذكر، وذلك عندما لا يستطيع المسلم أن يُظهر دينه في الدار الذي يقيم فيه. ... قال ابن قدامة في المغني 9/ 236، فيمن تجب عليه الهجرة: وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه، ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار، فهذا تجب عليه الهجرة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ النساء: 97. ... وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب؛ ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب ا- هـ. ... ومما يُعيّن الهجرة ويؤكد وجوبها حاجة دار الإسلام لمن يهاجر إليها من المسلمين .. كما كانت عليه حال المدينة المنورة في أول عهدها مع الإسلام .. حيث كانت الحاجة ماسة لمن يهاجر إليها من المسلمين .. ليتقووا به على جموع الكفر الغفيرة المحيطة بالمدينة يومئذٍ .. ! ... إلى حدٍّ جعل الله تعالى الموالاة والنصرة معقودة على الهجرة .. وعلى من يهاجر إلى المسلمين في المدينة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ الأنفال:72. ... وكذلك مما يؤكد وجوب الهجرة أن يكون بين دار الكفر ودار الإسلام حرب وقتال .. فحينئذٍ يتغلّظ التعيين حتى لا يُرمى المسلمون المقيمون في دار الكفر بسهام المسلمين المجاهدين، أو يكونون ترساً يتترس بهم العدو من سهام المسلمين .. ! ... وهذا أمر تفعله جميع الأمم التي تغار على رعاياها .. فما من دولة يلوح بينها وبين أي دولة أخرى بوادر الحرب والقتال إلا وتناشد رعاياها بأن يخرجوا من حدود تلك الدولة المحاربة حتى لا يتعرضوا لمرمى نيرانها .. وحتى لا يتترس بهم العدو كخط أمامي كاسح للألغام، يتصدى للضربات الأولى من الحرب .. ! ... فإن قيل: قلتم أن المتخلف عن هذا النوع من الهجرة آثم .. فما نوع هذا الإثم، فهل يرقى إلى درجة الكفر .. ؟! ... أقول: الجواب على هذه المسألة متوقف على ما يترتب على ترك الهجرة .. فإن ترتب على تركها فسقاً وظلماً دون الكفر فصاحبها يكون آثماً وأثمه دون الكفر. وإن ترتب على تركها كفراً ومظاهرة المشركين على المسلمين فتارك الهجرة حينئذٍ يكون كافراً مرتداً. ... هذا ما يقتضيه ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ النساء:97.

مسائل.. وأحكام · الصفحة ١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مسائل.. وأحكامص ١٩