بين أمهات المؤمنين رضي الله عنهن
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ 24/06/1425ه
السؤال
إلى فضيلة الشيخ: - حفظه الله - كيف نجمع بين هذين الحديثين؟ الحديثان بالمعنى: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخلت عليه إحدى أمهات المؤمنين ومعه غيرها منهن، فجعلت تسبها، فقال عليه الصلاة والسلام للتي عنده: دونك فانتصري".
والآخر: أن إحدى زوجاته عليه الصلاة والسلام جعلت تسب أخرى منهن وهي صامتة، ثم أخذت ترد عليها، فقال: "كان ملك يذب عنك فلما تكلمت ذهب وتركك".
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
الحديث الأول أخرجه باللفظ المذكور الإمام أحمد بإسناد حسن (24664) من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: "ما علمت حتى دخلت علي زينب بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أحسبك إذا قلبت لك بنية أبي
بكر ذريعيها ثم أقبلت إلي فأعرضت عنها حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "دونك فانتصري"، فأقبلت عليها حتى رأيتها قد يبس ريقها في فمها ما ترد علي شيئا فرأيت النبي -صلى الله عليه وسلم-يتهلل وجهه. وهذا الحديث أصله في الصحيحين البخاري (2581) ، ومسلم (2442) بسياق مطول من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: " أرسل أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي فأذن لها فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكتة قالت: فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ فقالت بلى قال: فأحبي هذه قالت فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-فرجعت إلى أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-فقلن لها ما نراك أغنيت عنا من شيء فارجعي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-فقولي له إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقالت فاطمة والله لا أكلمه فيها أبدا، قالت عائشة فأرسل أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-زينب بنت جحش زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى ما عدا سورة من حدة كانت فيها تسرع منها الفيئة، قالت فاستأذنت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-ورسول الله -صلى الله عليه وسلم-مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها، فأذن لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-فقالت يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة قالت ثم وقعت بي فاستطالت علي وأنا أرقب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أنحيت عليها، قالت فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتبسم إنها ابنة أبي بكر وحدثنيه محمد بن عبد الله بن قهزاذ قال عبد الله بن عثمان حدثنيه عن عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري بهذا الإسناد مثله في المعنى، غير أنه قال فلما وقعت بها لم أنشبها أن أثخنتها غلبة " واللفظ لمسلم.
والحديث الثاني: حديث حسن، قد رواه جماعة من الصحابة، فقد أخرجه أحمد (23796) من حديث النعمان بن مقرن قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسب رجل رجلا عنده قال فجعل الرجل المسبوب يقول عليك السلام قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " أما إن ملكا بينكما يذب عنك كلما يشتمك هذا قال له بل أنت وأنت أحق به، وإذا قال له عليك السلام قال لا بل لك أنت أحق به" وأخرجه الإمام أحمد (9622) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا شتم أبا بكر والنبي -صلى الله عليه وسلم- جالس، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم-يعجب ويتبسم فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم-وقام فلحقه أبو بكر فقال يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت قال إنه كان معك ملك يرد عنك فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان ثم قال: " يا أبا بكر ثلاث كلهن حق ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله عز وجل إلا أعز الله بها نصره
....
" الحديث، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (419) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما- وأخرجه عبد الرزاق مرسلا (20255) من حديث زيد بن أثيع. ومن خلال استعراض هذه الأحاديث يتبين أن السباب وقع بين رجلين، وفي بعض هذه الأحاديث أن المسبوب أبو بكر -رضي الله عنه-، وليس كما ورد في السؤال أن السباب كان بين زوجتين من أزواج الرسول -صلى الله عليه وسلم-والله أعلم. ولا تعارض بين الحديثين، فيجوز للإنسان أن ينتصر ممن ظلمه كما فعلت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- مع أم المؤمنين زينب رضي الله عنها حينما نالت منها، وتطاولت عليها بالكلام، ولكن العفو والصفح أفضل إذا لم يكن في الانتصار مصلحة أكبر، قال الله -عز وجل-: "والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله "إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل" [الشورى: 39-41] ، والانتصار مشروط بشرطين:
1- القدرة على ذلك، فإذا كان عاجزا أو كان الانتصار يفضي إلى عدوان زائد أو مفسدة أكبر ترك، وهو أصل النهي عن الفتنة.
2- ألا يعتدي. قال الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون"، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم" أخرجه مسلم (2587) من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- وعلى هذا فالمباح في الانتصار أن يرد مثل ما قال الجاني، أو يقاربه لأنه قصاص، فلو قال له: يا كلب - مثلا - فالانتصار أن يرد عليه بقوله: بل هو الكلب. وهكذا فلا يتجاوز المنتصر في السباب وغيره. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.