تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن ثم كان رأي الجاحظ في القول بالصرفة هو الذي جعل لرأي "النظام"بعد هذا مكانا بين الآراء التي دارت حول إعجاز القرآن، ولولا هذا لما التفت الناس إلى رأي النظام هذا الالتفات، ولما عاش هذا الرأي في الناس، ينقضونه حينا، ويقبلونه أحيانا

…

وأمر آخر، وهو أن الجاحظ إنما قال بالصرفة بعد أن أعياه الوقوع على الضوابط الدقيقة التي يضبط بها وجه الإعجاز في القرآن، ويكشف عن أسرار هذا الإعجاز ... فذلك أمر إن أعجز الجاحظ فقد أعجز الإنس والجن جميعا! فلو أن الإعجاز قد انكشف –وهيهات- لعرفه الناس، ومن ثم لم يعد بعيدا عن متناول أيديهم

…

وكان في مستطاعهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن

…

والله سبحانه يقول:

﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ [42] .

إن سر الإعجاز مضمر في كلمات القرآن، كلمة كلمة، وآية آية، إنه أمر من أمر الله

…

كالروح ترى آثارها، وتشاهد أفعالها، دون أن ينكشف للناس شيء منها.

﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ [43] .

والقرآن "روح"تتجلى آثاره في هذه الكلمات المنظومة في آياته

…

ولعل في قوله تعالى للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم:

﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾ [44] .

لعل في هذا ما يعين على الفهم الذي فهمناه من أن القرآن "روح"من روح الحق جل وعلا ... ونقول: لا تعجب إذا عجز الجاحظ عن الكشف عن هذا السر المضمر، أو هذا الروح الساري في القرآن فلم يعرف وجه الإعجاز فألجأه هذا العجز إلى القول بالصرفة ... فالجاحظ أستاذ في نقد الكلام، فلا عجب أن عرف قدر القرآن، ولزم حده معه.

(يتبع)

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية · الجزء ٢٠ · الصفحة ٤٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبويةج ٢٠ · ص ٤٦٣