- 328 -
وسط مستنقع من المشاكل والخلافات لا تنتهي لأنه كان سيستحيل عليه التأثير في هذا البحر الطامي بمقدار كبير، ولكن كانت عظمته في أنه كان الامام الفقيه الورع الذي رد كل شيء الى اصوله الشرعية عقيدة، وشريعة، فدبت الحياة بسرعة في كل عود جاف وعاد اليه الاخضرار .. انه روي الحقول الجدباء بمياه الاسلام الحنيف .. فحين نظر الى مشكلة اليمن ووجد حكام السوء قد فرضوا على أرضها الخراج تكثيرا للمال في خزائنهم أعاد أمر هذه البلاد الى سلطان الشرع فصيرها أرضا عشرية .. قرار واحد في كلمات قليلة نشرت السكينة والعدل والاستقرار في ربوع عشرات البلاد .. وحين دخل الذميون في دين الله أفواجا أسقط عنهم الجزية والخراج، قرار واحد أعلى سلطان الشرع وانزل سلطان الهوى .. كذلك فعل في كل ميدان تشريعي. وقدم نفسه وبيته نموذجا عمليا للصدق، فتطابق سلوكه الشخصي مع قراراته الشرعية فاكتمل النموذج المطلوب في الأمام فاکتمل النموذج الصحيح في الحياة. من هنا كانت فترة حكمه القصيرة التي بلغت عامان رفرف فيهما الاسلام في كل مكان، کانت شهادة على عظمة الاسلام نفسه قبل أي انسان او سلطان .. وبرهان على امكانية التغيير السريع للحياة من الأسوا الى الأحسن عندما تتجه في صدق نحو شرع الله .. ولكنها لا تتجه بهذا الصدق الا عندما يكون على رأسها رجل مثل عمر بن عبد العزيز ..
و أما المجتمعات الأخرى فكل شيء فيها من صنع البشر .. فليس بين الحاكم والرعية ميزان فوق الجميع، وما أسهل أن يلبس كل شيء على الناس باسم القانون، وباسم الشعب، وباسم العلم، و باسم الأحكام العرفية، وباسماء كثيرة لا تنفد، والمجتمعات المسكينة هي التي تدفع الثمن وهي ضحية التجارب، وكان أحد قياصرة روسيا اذا ذكر بالقانون دق على صدره وقال: هنا القانون ... وهو في هذا القول يعبر عن طوية كل حاکم على شاكلته ولكنه لم يملك شجاعته فتبرقع بالديمقراطية الشعبية ..
و هذه المقدمة كانت ضرورية لتوضيح أن فترات الضعف التي كانت تصيب أحد جوانب الشريعة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية تسير في خط بياني بطيء جدا بالنسبة لفترات الضعف السياسي في سلوك الحكام، فالأولى