? 201 -
من عصور، وصحة ما سيؤول اليه في المستقبل، ولكن حتى هذه الرأسمالية التي أجاد الماركسيون تشريحها بحيث أصبحت موطن افتنا نهم بجدوى الماركسية، حتى هذه سنرى فيما بعد حقيقة العوامل التي اشتركت في اخراج المجتمعات الأوروبية من حياتها التقليدية الى صورتها الحالية ومركز الاقتصاد بينها، وقد رأينا قبل ذلك عدم صحة تنبؤات مارکس عن المستقبل ..
* لقد أنصف انجلز حين كتب الى صديقه بلوخ سنة 1890 قبل وفاته بخمس سنوات أنه هو ومارکس قد بالغا في تقدير أهمية الأسباب الاقتصادية. وفي رسالة أخرى لصاحبه ستار لنبرج كتب يقول: «مارکس وانجلز مسؤولان جزئيا عن حقيقة أنه في بعض الأوقات قد أعطى أتباعنا أهمية للعامل الاقتصادي أكثر مما يستحق، ولقد اضطررنا الى تأكيد صفته المركزية في معارضتنا الخصومنا الذين كانوا ينكرونه، ولم يكن هناك وقت ولا مكان ولا فرصة الانصاف العوامل الأخرى في الحركة التاريخية» (1). ويقول الأستاذ العقاد في «حقائق الاسلام وأباطيل خصومه»: «ويقرر لنا التاريخ أنه لم يكن العامل من العوامل الانسانية أثر أقوى وأعظم من عامل الدين، وكل ما عداه من الحركات المؤثرة في حركات الأمم فانما تتفاوت فيه القوة بمقدار ما بينه و بين العقيدة الدينية من المشابهة في التمكن من أصالة الشعور وبواطن السريرة. هذه القوة لا تضارعها القوة العصبية، ولا قوة الوطنية، ولا قوة العرف، ولا قوة الأخلاق، ولا قوة الشرائع والقوانين، اذا كانت هذه القوة انما ترتبط بالعلاقة بين المرء ووطنه، أو العلاقة بينه وبين مجتمعه، أو العلاقة بينه وبين نوعه على تعدد الأوطان والأقوام، أما الدين فمرجعه الى العلاقة بين المرء وبين الوجود بأسره، وميدانه يتسع لكل ما في الوجود من ظاهر و باطن، ومن علانية وسر، ومن ماض أو مصير، إلى غير نهاية من آزال لا تحصى في القدم و آباد لا تحصى فيما ينكشف عنه عالم الغيوب .. وهذا على الأقل ميدان العقيدة الدينية في مثلها الأعلى وغايتها القصوى، وان لم تستوعبها ضمائر المتدينين في جميع العصور.
(1) الشيوعية نظريا وعمليا، لكاربوهنت، ص 64.