تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القبور، كما كانت على الصفا والمروة، أو في البيوت والنوادي لكان النهي، لأن المحذور المخيف هو التماثيل وبالتالي بناء المسجد على القبر بدون التصاوير لا يؤدي إلى هذا المحذور، وبالتالي يحذر النبي ﷺ أن يفعل معه بعد موته مثل ما صنع مع أنبياء اليهود من تصويره ﷺ.

وقد يؤيد هذا الاتجاه أن عمر رضي الله عنه لما قدم الشام ودعي إلى الكنيسة قال: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الثماثيل التي فيها الصور، وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل. ذكر ذلك البخاري ولم يبحث أي منهما ولم يبن فعله على كون الكنيسة بها قبر أو لا.

لكن الرواية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة أوعدت باللعن والقتل لاتخاذهم القبور مساجد دون ذكر للتماثيل والصور مما يفيد أن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد معرض للعن والطرد من رحمة اللَّه، ومما لا شك فيه أنهم لم يكونوا يتخذون القبر وحده مسجدًا بل كان القبر جزء مسجد، وعلى ذلك فلا فرق بين أن يكون القبر في زاوية من المسجد أو في وسطه غاية الأمر أن الحرمة تشتد، والجرم يعظم إذا جعل القبر في القبلة بحيث يستقبله المصلون، وكذا لا فرق بين أن يسبق بناء المسجد أو العكس، فكل من الوضعين في النهاية يؤدي إلى تعظيم صاحب القبر مما يهدد مستقبلًا بالمحظور، وإذا كانت العلة في المنع أن يؤدي إلى تعظيم وتقديس صاحب القبر مما يؤدي إلى عبادته أو إلى احتمال عبادته ولو بنسبة واحد في الألف كان ممنوعًا، كذلك كل مظهر من مظاهر التعظيم كبناء القبة والمقام ولو بغير مسجد استصحابًا للعلة وإغلاقًا لباب الفتنة وسدًا للذرائع. واللَّه أعلم.

ومن المعلوم أن رسول اللَّه ﷺ قد دفن بحجرة عائشة هو وصاحباه، وكانت خارجة عن المسجد، ولما احتاج الصحابة رضوان اللَّه عليهم والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول اللَّه ﷺ حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة رضي الله عنها بنوا على القبر حوائط مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام، ويؤدي للمحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره ﷺ.

-[ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم]-

١ - جواز حكاية ما يشاهده المؤمن من العجائب.

٢ - وجوب بيان حكم ذلك على العالم به.

٣ - ذم فاعل المحرمات.

٤ - أن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل.

٥ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وبناء المساجد على القبور، ومقتضاه التحريم، حيث ثبت اللعن عليه، وذهب الشافعي وأصحابه إلى القول بالكراهة. وقال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها

فتح المنعم شرح صحيح مسلم · الجزء ٣ · الصفحة ١٢٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتح المنعم شرح صحيح مسلمج ٣ · ص ١٢٦