أليس من المحزن أن تكون عدوتنا الأولى ، أو ما يسمى بـ ( إسرائيل ) من أكثر دول العالم تقدماً معلوماتياً ، بينما نحن في العالم الإسلامي ربما لا نملك حتى القدر الضروري من ذلك! فضلاً عن فقدان الكثيرين لمنهج التعامل مع المعلومات والأخبار ، مع وضوح هداية القرآن في ذلك ونصاعتها "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ.... " الآية فيأمر سبحانه بالتثبت والتبين في الأخبار , وعدم الاندفاع في تناولها أو بناء النتائج والقرارات عليها. ويقول الله سبحانه : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً"(النساء: من الآية94) فيؤكد المعنى الأول خصوصاً في مقام الجهاد في سبيل الله ، ويحذر من الجراءة على دماء المسلمين ، أو التسرع في تكفيرهم مما يترتب عليه استحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم . وإذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المخاطبون أول مرة بهذا النداء يوعظون بقوله سبحانه وتعالى : " تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا "(النساء: من الآية94) فكيف نقول نحن عن أنفسنا إذاً ؟!ويقول تعالى : "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ.." الآية. فيشدد النكير على أولئك الذي يشيعون أمر الأمن أو الخوف في غير مناسبته وأوانه، ويرشدهم إلى رده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أولى الأمر، لا ليعلموه كلهم ولكن ليعلمه "الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ "(النساء: من الآية83) ، فحتى أولو الأمر من أهل الحكم أو العلم ليسوا كلهم أهلاً لفهمه وإدراكه ، وهذا ظاهر جداً في المضايق والمسائل العويصة والمصيرية ، أما تعاطي القضايا العادية فهذا مختلف عما نحن بصدده .
إنه قد يستمع المرء إلى برنامج في إذاعة أو قناة فضائية أو يقرأ مقالاً في جريدة غير رصينة فيخيل إليه أنه أحاط بالأمر من جوانبه وأنه النذير العريان ، ويصنف هذا على أنه وعي ويقظة " وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً "(الإسراء: من الآية85)
واقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ بن جبل حين قال له أمسك عليك هذا فإن الوصية السادسة هي حفظ اللسان فإنه في أزمنة الفتن أشد من وقع السيف ومن أعظم المخاطر المحدقة أنها تستفز بعض العواطف التي لم تتربّ في محضن ولم تتلق تعليماً ولم عايش تجربة فتنجر إلى تكفير أو تفسيق أو تبديع أو تخوين لهذا الطرف أو ذاك لمجرد عدم استيعابها لمواقف الآخرين أو حتى قل لحصول خلل أو خطأ ما.. لكنه لا يعالج بمثل هذه الطريقة .
وما أشد وطأة القيل والقال والتلاعن والتطاعن في وقت وصلت فيه الأمة في قعر هاوية بتخلفها وجهالتها وعجزها عن تحصيل الأسباب الحقيقية للعزة والسمو .
إن أقل ما يجب هو أن نلجم ألسنتنا بلجام التقوى والخوف والإيمان عن أعراض المسلمين بتأويل أو بغير تأويل ... لنصلح أنفسنا أولاً ... ثم لن نجد بعد ذلك ما يبيح لنا الاشتغال بأصحابنا حين سلم منا أعداؤنا ... والله المستعان .
إنه ليس مما يفرح به أن نرى إقبالاً على تعاطي ألفاظ الكفر وكأنها تحية المسلم لأخيه ...
تحيةُ بينِهم ضربٌ وجيع
سابعاً :استفراغ الوسع والطاقة في تحريك الجهود الإسلامية واستخراجها وحث الكافة على العمل والمشاركة والإبداع ، لنرفع شعار :[ لا مكان للبطالين بيننا] ، وعلى كل امرئ مسلم أن يبذل وسعه وطاقته وقدرته كلها ولا يدّخر منها شيئاً ، في عبادة أو علم أو عمل أو دعاء أو دعوة أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو إصلاح ذات بين أو إغاثة ملهوف أو تفريج كربة أو وصول منقطع أو إيواء مشرد أو هداية ضال أو تهدئة مندفع ..وكل معروف صدقة .
إن هذا توظيف موفق للطاقات المتوفرة لدى المسلمين ، فالكثرة العددية هي إحدى ميزات هذه الأمة ، وإن كان قائلنا يقول :
كثر ولكن عديد لا اعتداد به ... ...
جمع،ولكن بديد غير متسق
حارت قواعدنا زاغت عقائدنا ... ...
أما الرؤوس فرأي غير متفق
البعض يحسب أن الحرب جعجة ... ...
والبعض في غفلة والبعض في نفق
إلا إننا نعتقد أنه لو تم تفعيل ( 10% ) من هذا الرقم الهائل لكان لدينا أكثر من مائة مليون فرد .. كلهم يعملون .. بينما ربما لا يتجاوز عدد اليهود في العالم كله ثلاثة عشر مليونا !.
ليس من المستحيل ولا الصعب أن ينهمك الناس ، والشباب خاصة، في مشاريع جماعية مثمرة لخدمة دينهم، أو خدمة دنياهم ، ولا عز للدين بلا دنيا، ولا صلاح للدنيا بلا دين :
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ... ...
ولا دنيا لمن لم يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين ... ...
فقد جعل الفناء لها قرينا
وهذا يتطلب جدية في صناعة البرامج العملية ، وتضافراً للجهود ، وتعاوناً بين القطاعات ، ونصاعة الأهداف.
يجب أن يتسع الميدان للعاملين ، وألا يعتذر لأي منهم بضيق المساحة ، كما لا يقبل عذر من أي أحد كان بأنه ليس لديه ما يقدمه، فلا أحد أقل من أن يفيد، ولا أحد أكبر من أن يستفيد.
ثامناً : إعداد الأمة , وخصوصاً شبابها , نفسياً وعقلياً وعسكرياً وشغلهم بما يبنيهم ويخدم مصالحهم ومصالح أمتهم , ولم لا تفتح الأبواب للتجنيد الإجباري , ليس فقط التجنيد العسكري , بل لكافة الخدمات الاجتماعية , والتي يجني الشاب من ورائها الخبرة والثقة ويتعلم كيف يواجه الصعاب ... وكيف يتربى في جو من الجدية والعمل ويتخلص من الترف والرفاهية الزائدة .
إن أكثر من 70% من سكان السعودية هم من الشباب , ربما دون سن العشرين , ومن الخطأ الكبير أن تضيق أمامهم الفرص أو تغلق الأبواب , فلا وظيفة ولا عمل ولا دراسة ولا ترفيه ولا مجال لممارسة بعض التجارب أو التعود على الأعمال أو محاولة الإبداع .
فهذه قنبلة موقوته يمكن أن تنفجر وتتشظى في هذه الاتجاه أو ذاك ما لم يتوفر المخلصون على التفكير الجاد فيها .
تاسعاً : الانهماك في حركة تصحيح واسعة النطاق , تستثمر الزلزال الذي تحدثه الأزمات , ليس لتصفية الحسابات مع هذا الطرف أو ذاك ، ولكن لتصفية الحساب مع سلبياتنا وأمراضنا ومعايبنا التي بها هزمنا .
يتمسك الفرد والجماعة , والمجتمع , والدولة بمألوفات معينة غير قادرين على اكتشاف خللها , وهي بحكم الإلف تمر عبر قنوات التفتيش دون اهتمام ويتقبلها الجميع رغم أنها لا تنسجم مع أصولنا ومصالحنا الشرعية .
وفي فترات الأزمات يبدو قدر من الاستعداد للاستدراك والتصحيح , فجدير بنا استثماره وتطويره , لا ليكون أسلوباً مؤقتاً في تجاوز المشكلة , بل ليكون أداة لتحويل الأزمة إلى فرصة , وتحقيق مفهوم قوله تعالى : " فإن مع العسر يسرا " فربما انجلت العسرة عن ألوان من الخير والفضل لحاضر الأمة ومستقبلها لم تكن في واردنا قبلُ ... ولكن الله يتفضل على عباده .
إنه لا أحد يقول إن واقعنا على أي مستوى , يمثل حقيقة الإسلام , ولهذا يجب أن نستمسك به , بل الكل يعترف بالخلل , فلنحّول هذه القناعة النظرية الذهنية إلى برنامج تفصيلي نتعرف بواسطته على مفردات عيوبنا الشعبية والرسمية , والعلمية والعملية , الدعوية والاجتماعية ... ونتعاون في الخلاص منها , والتأسيس لمستقبل أفضل .
وقوام ذلك أن نتحدث بالصراحة والصدق فيما بيننا بعيداً عن أجواء التصنع والتملق والرياء والتغرير .