تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتفسير الأدبي عند >أمين الخولي< إما أن يكون دراسة حول القرآن، أو دراسة القرآن نفسه، فالدراسة التي حول القرآن تركز على دراسة البيئة المادية والمعنوية التي ظهر فيها القرآن وعاش، وفيها جُمع، وكُتب، وقُرئ وحفظ، فروح القرآن عربية، ومزاجه عربي، وأسلوبه عربي، وقرآناً عربياً غير ذي عوج، ولهذا فإن النفاذ إلى مقاصده إنما يكون على التمثل الكامل، والاستشفاف التام لهذه الروح العربية، وهذا المزاج العربي، والذوق العربي، ولهذا يصبح كل ما يتصل بالبيئة المادية والمعنوية العربية وسائل ضرورية لفهم القرآن• من ماض سحيق، وتاريخ معروف، ونظام الأسرة والقبيلة، فكل ما تقوم به الحياة الإنسانية لهذه العروبة وسائل ضرورية لفهم القرآن العربي المبين(7) ومن هنا نلاحظ في أن الدراسة حول القرآن تتجه إلى دراسة أثر البيئة، والزمن، وتشكيل المجتمع في فهم القرآن ودلالاته، أعني فهم الواقع المحيط حتى نفهم القرآن، ففهمهم الزمني هنا ضروري من أجل تقديم فهم لمفردات القرآن المطلقة•

وأما الشق الثاني من التفسير الأدبي وهي دراسة القرآن نفسه فهي تبدأ بالنظر في المفردات، والمتأدب يجب أن يقدر عند ذلك تدرج الألفاظ، وتأثيرها في هذا التدرج يتفاوت بين الأجيال، وبفعل الظواهر النفسية والاجتماعية، وعوامل حضارة الأمة، وما إلى ذلك مما تعرضت معه ألفاظ العربية في تلك الحركات الجياشة المتوثبة التي نمت بها الدولة الإسلامية، والنهضة الدينية، والسياسية، والثقافية، التي خلقت هذا الميراث الكبير من الحضارة، وقد تداولت هذه اللغة العربية مع تلك النهضات أفواه أمم مختلفة الألوان، والدماء، والماضي، والحاضر، فتهيأت من كل ذلك خطوات تدريجية فسيحة متباعدة في حياة ألفاظ العربية، حتى أصبح من الخطأ البيِّن أن يعمد متأدب إلى فهم ألفاظ النص القرآني الجليل فهماً لا يقوم على تقدير تام لهذا التدرج والتغير الذي مسَّ حياة الألفاظ ودلالتها(8)، وهنا يتضح مدى اعتبار >الخولي< لدور سنَّة النشوء والارتقاء في الكشف عن دلالات اللغة التي نريد أن نفهم بها القرآن، ولهذا فمن الضروري اعتبار أهمية الزمن في حياة اللغة التي نفهم بها القرآن، ويصبح فهمنا للقرآن نفسه يخضع لحدود الزمن، لأن هذا الفهم مرتبط بإدراك أهمية الواقع الزمني من ناحية، ولغة البشر الزمنية أيضاً من ناحية أخرى، ولهذا فالفهم البشري للقرآن هو فهم نسبي لأنه خاضع لحدود الزمن، ودورات الحياة والواقع، و>الخولي< في تفسيره الأدبي يخضع المطلق للزمني، وما هو ديني لما هو دنيوي، وما هو نقلي لما هو عقلي•

البعد النفسي

والخطوة التالية في التفسير الأدبي بيان الأثر النفسي للآيات القرآنية وذلك >لأن القرآن من حيث هو فني أدبي معجز، ثم من حيث هو هدي، وبيان ديني، لن يُدار الأمر فيه إلا على سياسة النفوس البشرية، ورياضتها، لأن الفن هو نجوى الوجدان، والدين هو حديث الاعتقاد، وخطاب القلوب، فصلته بالنفس، ومناجاته للروح أوضح من أن يستدل لها، أو تخص بالشرح<(9)، فالتفسير الأدبي يقصد إلى التدبير النفسي والاجتماعي للحياة الإنسانية، ولهذا >فعن طريق البعد النفسي يبلور >أمين الخولي< نقطة التلاقي بين الدين والأدب ليخرج بدعواه للتفسير الأدبي للقرآن موضوعاً موضوعاً<(10) ويستند التفسير النفسي للقرآن على أساس وطيد من صلة الفن القولي بالنفس الإنسانية، وأن الفنون على اختلافها ـ ومن بينها الأدب ـ ليست إلا ترجمة لما تجده النفس، ولهذا يكشف >الخولي< عن أهمية الإعجاز النفسي في القرآن فيقول: إن ما استقر من تقرير صلة البلاغة بعلم النفس قد مهَّد السبيل إلى القول بالإعجاز النفسي للقرآن، كما كشف عن وجه الحاجة إلى تفسير نفساني للقرآن يقوم على الإحاطة المستطاعة بما عرف العلم من أسرار حركات النفس البشرية في الميادين التي تناولتها دعوة القرآن الدينية، وجدله الاعتقادي، ورياضته للوجدانات والقلوب، فالتفسير الحقيقي للقرآن لا يقوم إلا على إدراك ما استخدمه من ظواهر نفسية، ونواميس روحية أدار عليها بيانه مستدلاً، وهادياً، ومقنعاً، ومجادلاً، ومثيراً، ومهدداً، فأصبح ما يبنى عليه هذا التفسير هو القواعد النفسية، فلا يصح أن يُحتجَّ للفظ من آياته، أو يُستشهد بأسلوب من أساليبه إلا بموقعه كله من النفس، وبما يكشف العلم عن هذا الموقع، وما سبر من أغواره، فبالأمور النفسية لا غير يعلل إيجازه، وإطنابه، وتوكيده، وإشارته، وإجماله، وتفصيله(11) وإذا كان >أمين الخولي< قد ربط التفسير الأدبي بعلم النفس، فإنه من ناحية أخرى يؤكد أهمية ربط التفسير الأدبي بعلم الاجتماع، مؤكداً أهمية المبدأ الذي وضعه الإمام >محمد عبده< من ربط التفسير بعلم الاجتماع فيقول: >ذكر الشيخ >محمد عبده< أن علم أحوال البشر لا يتم التفسير إلا به، وأنه لابد للناظر في الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم، وأدوارهم، ومناشي اختلاف أحوالهم من قوة وضعف، وعزة وذل، وعلم وجهل، وإيمان وكفر<(12)•

ومما سبق نلاحظ بأنه رغم نقد >أمين الخولي< للتفسير العلمي للقرآن، لأنه قد يؤدي إلى التشكيك في القرآن نتيجة لتغير النظريات العلمية، فإننا نجده يوظف منتجات العلوم الإنسانية الحديثة من علم النفس، أو الاجتماع من أجل إرساء دعائم التفسير الأدبي للقرآن، >وهكذا ينتهي المفسر الأدبي إلى دعوته الصريحة لإنشاء تفسير نفسي جديد يعطي الدلالة النفسية قيمتها، ويقدم التعليل الصحيح للإعجاز القرآني، أو يسهم ـ على الأقل ـ في تقديم تصور صحيح لهذا الإعجاز، ليكشف عن القيم النفسية الإنسانية في النص القرآني من جهة، ويدني قضية الإعجاز من الفكر الحديث والعقل الحديث<(13) فمحاولة >أمين الخولي< في التفسير الأدبي للقرآن هي نهج اعتزالي جديد يعطي الأولية في التفسير للعقل على النقل، بل إننا نقول: إن هذا الأثر الاعتزالي يتضح حين نعرف أن جهود >أمين الخولي< في تحقيق التراث تقتصر على تحقيق أجزاء من كتاب (المغني) للقاضي عبدالجبار، وهي الجزء الخاص بالإعجاز القرآني، والجزء الخاص بالشريعة في الكتاب، ولا شك أن جهوده التحقيقية هذه تكشف لنا عن مدى تقدير >الخولي< لفكر المعتزلة•

الفن من أجل الفن مبدأ مرفوض

وإذا كان بعضهم يذهب إلى القول: إن المنهج الأدبي في التفسير ينتهي عبر مراحله الشاقة التي يرسمها لنفسه إلى غاية محددة واضحة هي تذوق القرآن تذوقاً أدبياً، وفنياً قبل كل شيء وبعده(14)، فإن >الخولي< يرفض القول: إنه يأخذ بمبدأ الفن من أجل الفن فيقول: >إنا لا نأخذ بهذا الاتجاه، ولا نحسب القرآن قد أخذ به، لأنه يجعل فنه للقول وسيلة لإصلاح الحياة البشرية ذلك الإصلاح الخلقي الاجتماعي العام الذي نزل من أجل هدى الناس، فالتفسير المستهدف هو ذهاب المفسر إلى فهم مراد القائل من القول، وحكمة التشريع في العقائد، والأخلاق، والأحكام على الوجه الذي يجذب الأرواح، وسوقها إلى العمل، ليتحقق منها معنى قوله (هدى ورحمة) ونحوهما من الأوصاف، فالمقصد الحقيقي وراء تلك الشروط، والفنون هو الاهتداء بالقرآن<(15)، فالخولي يتخذ من التفسير الأدبي الخطوة الأولى الضرورية للكشف عن التدبير النفسي والاجتماعي للدين، ولعل هذا ما أوضحناه في موقف >أمين الخولي< من مسألة المال، والصوم، والعمل إلخ•••

النص وسيط لغوي

الوقت وأهميته في حياة المسلم · الصفحة ٣٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوقت وأهميته في حياة المسلمص ٣٥٩