ذلك تذكير من الله لعباده المؤمنين بلقاء أعدائهم المشركين في بدر؛ أي اذكروا إذ أنتم نزول ﴿بالعداوة الدنيا﴾ أي بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة، والدنيا تأنيث الأدنى ﴿وهم بالعدة القصوى﴾ يريد أعداءهم المشركين؛ إذ كانوا بشفير الوادي الأقصى من المدينة - والقصوى تأنيث الأقصى - وإذ ذاك كان الركب وهم أبو سفيان وأصحابه والعير التي معه ﴿أسفل منكم﴾ أي في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر على عدة أميال من بدر.
قوله: ﴿ولو تواعدهم لاختلفتم في الميعاد﴾ وذلك أن المسلمين خرجوا ليأخذوا العير، وخرج الكفار ليمنعوها فالتقى الجمعان على غير ميعاد - ولو أنهم تواعدوا قبل ذلك على الاجتماع ثم علم المسلمون كثرة المشركين وقتلهم هم لخالفوا موعدهم معهم، فما اجتمعوا وما التقوا - لكن الله جل وعلا قدر لهم أن يتلاقوا ﴿ليقضي الله أمرا كان مفعولا﴾ أي ليقضي أمرا من نصر دينه وإعزاز كلمته وهدم الكافرين وإذلالهم - وقيل: أي كان أمرا مقدرا في الأزل.
قوله: ﴿ليهلك من علك عن بينة ويحيي من حي عن بينة﴾ أي ليقتل من قتل من الكافرين عن بيان من الله رآه، وحجة قامت عليه وإعذار بالرسالة - وكذلك ليعيش من عاش عن بيان من الله وإعذار، ليس لأحد عليه حجة - وقيل: معناه الكفر من كفر بعد قيام الحجة عليه - ويؤمن من آمن على مثل ذلك - وبذلك فإن الهلاك معناه الكفر، والحياة معناها الإيمان.
قوله: ﴿وإن الله سميع عليم﴾ الله سميع لما يقول الناس، مؤمنين وكافرين، وهو كذلك عليم بما تخفيه صدورهم من المكنون والنوايا 52.
43 - (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)
قوله تعالى: ﴿إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور﴾ ﴿وإذ﴾ في موضع نصب بفعل مقدر، وتقديره: واذكر إذ يريكم الله 53 والمخاطب هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقد تظاهرت الروايات أنها رؤيا منام - فقد روي الرسول صلى الله عليه وسلم فيها الكفار قليلا فأخبر بها أصحابه فاشتد أزرهم 54، وقويت عزائمهم، وازدادت في نفوسهم الشجاعة والاستبسال واليقين - وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه عقب النتباهه من المنام: (أبشروا لقد نظرت إلى مصارع القوم) - والمراد بالقلة في الآية: ضعف القوم واستيئاسهم وأنهم مهزومون مصروعون فتكون الغلبة للمؤمنين قوله: ﴿ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر﴾ أي لو أراكم المشركين كثيرا لخارت عزائمكم، وانهارت قواكم، وأخذكم اليأس والخور، ﴿ولتنازعتم﴾ أي اختلفتم - والتنازع في الأمر معناه الاختلاف الذي يحول به كل واحد نزع صاحبه عما هو عليه - والمقصود: أنه لاضطراب أمركم واختلفت كلمتكم ﴿ولاكن الله سلم﴾ أي سلمكم من الفشل ومن المخالفة فيما بينكم - وقيل: سلمكم من الهزيمة.
قوله: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ أي يعلم ما تخفيه صدوركم من الجراءة والخور، أو الصبر والجزع.