ومنها: أن المراد هم السهم الذي رمي به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصن خبير فسار في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه - وهذا أيضا بعيد والصحيح أن الآية كانت يوم بدر؛ لأن السورة بدرية، وذلك أن جبريل عليه السلام قال للرسول صلى الله عليه وسلم: (خذ قبضة من التراب) فاخذ من التراب فرمى بها وجوه المشركين - وهو ما بيناه في القول الثاني 24.
قوله: ﴿وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم﴾ وليبلي من البلاء، وهو هنا بمعنى النعمة - لا جرم أن النعمة من أشد ما يبتلي به الإنسان فيعلم أن سيشكر أن يكفر؛ أي لينعم الله على المؤمنين ورسوله الكريم بالظفر فينصرهم عليهم نصرا ظاهرا عزيزا ﴿إن الله سميع عليم﴾ أي أن الله سميع لدعاء نبيه صلى الله عليه وسلم؛ إذ يناشد ربه ويدعوه في تضرع وتذلل أن يعلك عدوه وعدوهم - وهو سبحانه عليم بما فيه صلاحهم وبما تستقيم عليه أحوالهم؛ فهو سبحانه محيط علمه بكل شيء.
18 - (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ)
قوله: ﴿ذالكم وأن الله موهن كيد الكافرين﴾ الإشارة في قوله: ﴿ذلكم﴾ إلى قتل المشركين وانهزامهم، وإلى ابتلاء المؤمنين البلاء الحسن بالظفر بهم والانتصار عليهم - ومع ذلك كله اعلموا أيها الناس أن الله ﴿موهن﴾ أي مضعف مكر الكافرين ليرتد مكرهم وخبثهم إلى نحورهم فيذلوا إذلالا.
19 - (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)
قوله تعالى: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين﴾ ذكر أن المستفتح أبو جهل، فقد قال حين التقى بالقوم يوم بدر: اللهم أينا كان أقطع للرحم وأتانا بما لم نعرف فأحنه 25 الغداة وكان استفتاحا منه - فنزلت ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ 26.
وقيل: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصر الله وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين، فقال الله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾.
20 - (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ)
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون 20 ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون 21 *إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون 22 ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ هذا الخطاب للمؤمنين، إذ أمرهم الله بطاعته وطاعة رسوله الكريم فيما أمرهم به وما نهاهم عن التوالي عنه وهو الإعراض عنه - وكذلك عليهم أن يلتزموا طاعة نبيهم دو مخالفة أو إدبار ﴿وأنتم تسمعون﴾ أي تسمعون الآيات البينات وما يتندى فيها من ظواهر الإعجاز المثير، وتسمعون ما يصدر عن نبيكم من أوامر ونواه وحجج.