يوم، منصوب من وجهين - أحدهما: أن يكون العامل فيه: فليأتوا بشركائهم يوم يكشف عن ساق - وثانيهما: أن يكون العامل فيه فعلا مقدرا، وتقديره: واذكر يوم 9، والكشف عن الساق مثل يضرب في شدة الأمر وفظاعة الخطب وهول المنظر وأصل ذلك في الروع والهزيمة وتشمير النساء ذوات الخدور عن سوقهن في الهرب - والمعنى: يشتد أمر الرحمن يوم القيامة حيث الفزع الأكبر، إذ تتفاقم الأهوال والزلازل والبلايا - أو يوم تشتد الحال أو الساعة، كما تقول: كشفت الحرب عن ساقها على سبيل المجاز ﴿ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ تبقى أصلاب المنافقين والظالمين المكذبين طبقا واحدا يوم القيامة فلا يستطيعون السجود فإن قيل: لم يدعون إلى السجود وليس من تكليف يوم القيامة؟ فإنه يجاب عن ذلك، بأنه يطلب منهم السجود على سبيل التوبيخ والتعنيف على تركهم السجود في الدنيا - وفي ذلك تهييج للندم الشديد، والحسرة البالغة في نفوسهم على ما فرطوا في دنياهم - وفي ذلك من زيادة التنكيل بهم ما لا يخفى.
43 - (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ)
قوله: ﴿خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلّة﴾ خاشعة، منصوب على الحال من ضمير ﴿يدعون﴾ - وأبصارهم مرفوع على الفاعلية 10.
يعني أبصارهم خاضعة ذليلة قد غشيها الذل والندم والاستيئاس ﴿وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون﴾ كانوا يدعون إلى الصلاة في الدنيا وهم أصحاب معافون لا يمنعهم من ذلك مانع فيدعون يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون - وقال ابن عباس: هم الكفار يدعون في الدنيا وهم آمنون فاليوم يدعوهم وهم خائفون.
44 - (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)
قوله: ﴿فذرني ومن يكذّب بهذا الحديث﴾ ومن، في موضع نصب بالعطف على ضمير المتكلم في ﴿فذرني﴾ 11.
يعني دعني ومن يكذب بهذا القرآن، فكله إلي فإني أكفيكه، فحسبك إيقاعا به أن تكل أمره إلي وتخلي بيني وبينه - أو لا تشغل قلبك بشأنه واعتمد على ربك في الانتقام منه - وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديد شديد للمكذبين: فالله منتقم من أعداء دينه المجرمين، وهو سبحانه يملي لهم، ويمهلهم حتى إذا جاء وعدهم بالتدمير أخذهم أخذ عزيز مقتدر.
قوله: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ الاستدراج معناه النقل من حال إلى حال - واستدراجه، أدناه منه على التدريج 12 واستدرجهم أي استنزلهم درجة فدرجة حتى يوقعهم في العقاب ﴿من حيث لا يعلمون﴾ أي وهم لا يشعرون بل يظنون أن في ذلك كرامة لهم وهو في الحقيقة توريط لهم وإهانة.
45 - (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)
قوله: ﴿وأملي لهم إنّ كيدي متين﴾ أي أمهلهم وأنسئ لهم في الأجل ليزدادوا إثما، كيدا لهم مني ومكرا بهم، فكيدي لهم قوي شديد.