قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ أي لو شاء الله أن يمسخهم بتغيير صورهم أو بجعلهم قردة أو خنازير أو حجارة ﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ أي على مكانهم لمسخناهم في منازلهم وأمكنتهم التي يجترحون فيها المآثم والمنكرات ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ أي لم يقدروا على ذهاب أو مجيء - أو ما استطاعوا ذهابا أو رجوعا 43
68 - (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ)
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (68) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
﴿نُنَكِّسْهُ﴾ من التنكيس وهو القلب - أو جعل الشيء أعلاه أسفله - نكسه، أي قلبه على رأسه - ويقرأ القرآن منكوسا: أي يبتدئ به منن آخره ويختم بالفاتحة، أو من آخر السورة فيقرأها إلى أولها مقلوبا 44
ذلك بيان من الله عن بالغ إرادته وعظيم قدرته في الخلق، وهو هنا تنكيس المعمَّر، وهو قلبه وجعله على عكس ما خلقه أولا؛ وذلك أن الله - عز وعلا - خلق الإنسان ضعيفا في الجسد خُلوا من العقل والفهم والعلم - ثم جعله يمر في أطوار وينتقل من حال إلى حال حتى يبلغ أشده ويستكمل قوته من بسطة الجسم والعقل ثم يأخذ في تنكيسه في الخلق فيأخذ في التناقص والضعف شيئا فشيئا حتى يعود إلى حال شبيهة بحاله في الصبا من حيث الضعف في الجسد وهوان العقل وبساطة الفهم.
إن ذلك كله دليل ظاهر على أن الله - جلا وعلا - هو القوي المقتدر وأنه الصانع الحكيم الذي يفعل ما يشاء - وهو قوله: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ أي من نطلْ عمره ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ يعني نقلبه فلا يزاد ضعفه في تزايد، وقواه في انتقاص حتى يُفْضي إلى الهرم الشديد ثم الموت المحتوم.
قوله: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أفلا يتدبرون هذه الظاهرة ليعلموا أن الله قادر على كل شيء، وأنهم مخلوقون للحياة الآخرة وهي دار القرار والبقاء عقب رحيلهم عن هذه الدار وهي دار الزوال والفناء.
69 - (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُبِينٌ)
قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شاعرا وما يستقيم له ولا يليق به أن يكون كذلك؛ فأغراض الشعر جلُّها مذموم، كالغزل والهجاء والافتخار ووصف الخمر والعورات وغير ذلك من وجوه الشعر وأغراضه المستهجنة - ولئن جرى على لسانه صلى الله عليه وسلم من الكلام ما كان موزونا فإنما ذلك من جنس كلامه الذي كان يتكلم به على طبيعته من غير صنعة فيه ولا تكلف ولا قصد لوزن - وذلك كما كان يتفق في خطب الناس ورسائلهم ومحاوراتهم في أحاديث موزونة ولا يسميها الناس شعرا - وبذلك فإن فِرية المشركين بأن محمدا صلى الله عليه وسلم شاعر لهي محض باطل وظلم - وهم بذلك إنما يقولون زورا؛ لأنهم أعرف الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأنه لم يَقْرِض الشعر، ولو تكلف قَََََرْضَه لما استطاع؛ لأنه غير مطبوع على قرض الشعر ولا الشعر من سجيته أو طبعه - والافتراء عليه بأنه شاعر لا يقل زورا ونكرا عن الافتراء عليه بأنه كاهن وساحر.