تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله: (من رسول ولا نبي) الواو تفيد المغايرة في المعنى بين المعطوف والمعطوف عليه؛ فيستبين لنا أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، وهذا يدل على الفرق بين حقيقة الرسول والنبي - فقد قيل: الرسول: الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانا ومخاطبته له شفاها - أما النبي: فهو الذي يأتيه الوحي إلهاما أو في المنام - وقيل: الرسول: من بعثه الله بشرع وأمره بتبليغه - أما النبي: فهو المأمور أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله ولم ينزل عليه كتاب - وهما كلاهما لابد لهما من المعجزة.

قوله: (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) (تمنى) أي اشتهى ورغب فيما يهواه - وقال المفسرون: (تمنى) بمعنى تلا - و (أمنيته) يعني تلاوته.

وذكر أكثر المفسرين سببا لنزول هذه الآية - لكنه في الحقيقة سبب مريب لا ينبغي قبوله أو الاطمئنان - وهذه قصة معروفة هنا بقصة الغرانيق 67 وهي قصة غريبة تقتضي التكذيب وعدم التصديق البتة وذلك لما نحسب أنها من وضع الزنادقة والماكرين من خصوم هذا الدين.

وجماع القول في سبب نزول هذه الآية ما روي عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله (ص) بمكة سورة النجم فلما بلغ قوله: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) قال: فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتجى - قالوا: ما ذكر آلهتنا قبل اليوم فسجد وسجدوا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) الآية.

وفي رواية أخرى أن النبي (ص) جلس في ناد من أندية قومه، كثير أهله - فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه يومئذ فأنزل الله (والنجم إذا هوى) فقرأ حتى إذا بلغ إلى قوله (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) ألقى عليه الشيطان كلمتين: تلك الغرانيق العلا - وإن شفاعتهن لترتجى - ثم مضى بقراءة السورة كلها ثم سجد في آخر السورة وسجد القوم جميعا معه - فلما أمسى أتاه جبريل فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين قال: ما جئتك بهاتين - أو قال له: تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله - فحزن رسول الله (ص) وخاف خوفا شديدا فأنزل الله هذه الآية 68 - إلى غير ذلك من مثل هذه الروايات في قصة الغرانيق المصطنعة التي ابتدعها فريق من المارقين المغرضين أولي الهوى مبتغين بذلك إشاعة الشبهة والارتياب في نبوة رسول الله (ص) وفي صدق كلامه الذي لا يصدر عن هوى وإنما هو وحي يوحى - إن قصة الغرانيق لا نظنها غير ضرب من ضروب الإفك المفترى على عصمة رسول الله (ص) - وذلك بما يشوب عامة الروايات في القصة من شوائب الضعف والاضطراب - وقد طعن فيها كثير من أئمة العلم - فقال الشوكاني: لم يصح شيء منها، ولا ثبت بوجه من الوجوه - ومع عدم صحته بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه - قال الله (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين) وقوله: (وما ينطق عن الهوى) وقوله: (ولولا ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) فنفى المقاربة للكون فضلا عن الركون نفسه.

وقال البزار: هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي (ص) بإسناد متصل.

وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل - ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم - وقال الإمام ابن خزيمة: إن هذه القصة من وضع الزنادقة - وقال القاضي عياض: إن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه، لا قصدا ولا سهوا ولا غلطا.

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ١٥٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ١٥٦٢