قوله: (إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) إذا قضى الله أن ينشئ شيئا أو يخلقه من العدم، كخلق آدم من تراب، وخلْق عيسى من غير أب (فإنما يقول له كن فيكون) أي يأمر الله بإحداثه فيصير كما يشاء.
36 - (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)
قوله: (وإن الله ربي وربكم فاعبدوه) ذلك من كلام عيسى عليه الصلاة والسلام إذ قال لقومه داعيا إياهم إلى توحيد الله وعبادته ومجانبة الإشراك به: إن الله خلقني وإياكم وهو مالك كل شيء فاعبدوه وحده دون أحد من خلقه (هذا صراط مستقيم) أي هذا الذي جئتكم به من عند الله لهو الدين الحق والطريق المستقيم الذي لا زيغ فيه.
37 - (فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ)
قوله: (فاختلف الأحزاب من بينهم) (الأحزاب)، الفرق والطوائف من أهل الكتاب؛ فقد اختلفوا ما بينهم - قالت فرقة من النصارى وهم النسطورية: إنه ابن الله - وقالت فرقة أخرى وهم الملكانية: إنه ثالث ثلاثة - وقالت فرقة ثالثة وهم اليعقوبية: إنه هو الله - أما اليهود فقد قدحوا فيه قدحا؛ إذ افتروا عليه وعلى أمه بالباطل - وبذلك أفرطت النصارى إفراطا، وفرطت اليهود تفريطا.
قوله: (فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) ذلك تهديد رعيب وتوعّد مخوف من الله لهؤلاء الغلاة والمفرطين والجاحدين، فلهم الويل من شهودهم يوم القيامة، أو من حضورهم هذا المشهد المزلزل الذي يشيب منه الولدان وتخور فيه القوى والأجساد لهول ما فيه من شديد القواصم والأرزاء.
38 - (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)
قوله: (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) يعني ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة - والجار والمجرور (بهم) في موضع رفع فاعل أسمع - كقوله أكرم بزيد - ومعناه كرم زيد جدا - والمراد أن إسماعهم وإبصارهم جدير بأن يتعجب منهما؛ إذ لا أسمع منهم يوم القيامة ولا أبصر.
قوله: (لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين) أي لكنهم في الدنيا في زيغ عن الحق - زيغ عميت فيه أبصارهم وصمت آذانهم، فأشركوا بالله أشد الإشراك، وزعموا له الولد، سبحانه، وهو المنزه عن اتخاذ الصاحبة والولد.
39 - (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)
قوله: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر) أي خوفهم يوم القيامة وما يقع فيها من أهوال وشدائد، وحينئذ تغشى الخاسرين غواشي من اليأس والحسرة والندم على تقصيرهم وتفريطهم في دنياهم؛ فلا تجديهم عندئذ الحسرة ولا ينفعهم الندم ولا ينجيهم ابتغاء التوبة أو الإنابة بعد أن فات الأوان - وهو قوله: (إذ قضي الأمر) أي فرغ من الحساب فيصار إلى الجزاء والعقاب ثم يساق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار - فيكونون جميعا خالدين فيما هم فيه بلا موت.
قوله: (وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) كلتا الجملتين في موضع نصب على الحال؛ أي أنهم غافلون ساهون عن هذا المقام العصيب الذي أنذروا به وما يصيبهم فيه من ندامة وإياس (وهم لا يؤمنون) أي لا يصدقون بيوم القيامة وما هو نازل بهم يومئذ من الويل وسوء المصير.