قوله: (وجعلني مباركا أين ما كنت) أي جعلني نفّاعا للناس وذا بركات فأعلّم الناس الخير، وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأنصر مظلومهم، وأغيث المضطر فيهم والملهوف.
قوله: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) (ما)، مصدرية ظرفية زمانية، والتقدير: مدة دوامي حيا - و (حيا) منصوب، خبر (ما دمت) 20 أي أوصاني بأداء هاتين الفريضتين العظيمتين دوام حياتي.
32 - (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)
قوله: (وبرا بوالدتي) أمرني ربي أن أبرّ بوالدتي مريم، فأحسن إليها تمام الإحسان وأبذل لها من كريم الطاعة والتواضع والرحمة ما هي خليقة به.
قوله: (ولم يجعلني جبارا شقيا) لم يجعلني ربي مستكبرا عن عبادته وعن خلق الصالحين - وكذلك لم يجعلني (شقيا) أي غليظا عاصيا لله فأشقى.
33 - (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)
قوله: ﴿والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾ أي علي من الله الأمان في هذه الأحوال الثلاثة وهي يوم الولادة؛ إذ أبعد الله عني الشيطان - وعند الموت؛ إذ كتب الله لي الأمان والنجاة من هول ما يستقبله الميت في قبره - ويوم البعث مما في القيامة من شدائد وبلايا - وفي ذلك إخبار صريح ومقطوع من عيسى لقومه أنه ليس له أب، وأنه صائر إلى الموت بعد نزوله إلى الدنيا ليبعث بعد ذلك حيا مع العالمين يوم القيامة 21.
34 - (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)
قوله تعالى: ﴿ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40)﴾.
الإشارة، (ذلك)، في موضع رفع مبتدأ - (عيسى) خبره - (ابن مريم) صفته - والمعنى: أن هذا الذي قصصت عليكم من خبره والذي حملته مريم من غير أب وكلم الناس في المهد هو عيسى ابن مريم، فقولوا فيه مثلما أخبرتكم عنه لا ما قالت عنه اليهود؛ إذ افتروا على مريم البهتان والباطل في ولادتها عيسى من غير أب، ولا ما قالت النصارى؛ إذ غالوا فيه مغالاة فقالوا: إنه إله أو ابن إله تعالى الله عن هذا الباطل علوا عظيما.
قوله: (قول الحق) قرئ (قول) بالرفع والنصب - فمن قرأ بالرفع كان مرفوعا؛ لأنه خبر لمبتدأ محذوف وتقديره: ذلك قول الحق - أو هذا قول الحق - ومن قرأه بالنصب، كان منصوبا على المصدر، وتقديره: أقول قول الحق 22 فهذا هو القول الحق في عيسى ابن مريم (الذي فيه يمترون) أي يختصمون ويختلفون، ويفترون قول الأباطيل؛ إذ قالت اليهود إنه ساحر كذاب - وزعمت النصارى أنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة - وذلك كله مراء بالكذب والباطل.
35 - (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)
قوله: (ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه) أي ما ينبغي لله ولا يليق بجلاله العظيم أن يتخذ لنفسه ولدا، وإنما يتخذ الأولاد من صفتهم الضعف والحاجة للعون والنصرة، والله منزه عن ذلك.