الْبَغْيُ حَرَامٌ ، وَالْبُغَاةُ آثِمُونَ ، وَلَكِنْ لَيْسَ الْبَغْيُ خُرُوجًا عَنِ الإِْيمَانِ ؛ لأَِنَّ اللَّهَ سَمَّى الْبُغَاةَ مُؤْمِنِينَ فِي قَوْله تَعَالَى : ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ . . . ﴾ إِلَى أَنْ قَال : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ ، (سورة الحجرات / 9 ، 10) وَيَحِل قِتَالُهُمْ ، وَيَجِبُ عَلَى النَّاسِ مَعُونَةُ الإِْمَامِ فِي قِتَالِهِمْ . وَمَنْ قُتِل مِنْ أَهْل الْعَدْل أَثْنَاءَ قِتَالِهِمْ فَهُوَ شَهِيدٌ . وَيَسْقُطُ قِتَالُهُمْ إِذَا فَاءُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ، وَيَقُول الصَّنْعَانِيُّ : إِذَا فَارَقَ أَحَدٌ الْجَمَاعَةَ وَلَمْ يَخْرُجْ عَلَيْهِمْ وَلاَ قَاتَلَهُمْ يُخَلَّى وَشَأْنَهُ ؛ إِذْ مُجَرَّدُ الْخِلاَفِ عَلَى الإِْمَامِ لاَ يُوجِبُ قِتَال الْمُخَالِفِ (1) .
وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : يَا ابْنَ مَسْعُودٍ ، أَتَدْرِي مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ؟ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَإِنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَنْ لاَ يُتْبَعَ مُدْبِرَهُمْ ، وَلا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ ، وَلا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ (2)
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْبَغْيَ لَيْسَ اسْمَ ذَمٍّ ؛ لأَِنَّ الْبُغَاةَ خَالَفُوا بِتَأْوِيلٍ جَائِزٍ فِي اعْتِقَادِهِمْ ، لَكِنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِيهِ ، فَلَهُمْ نَوْعُ عُذْرٍ ؛ لِمَا فِيهِمْ مِنْ أَهْلِيَّةِ الاِجْتِهَادِ .
وَقَالُوا : إِنَّ مَا وَرَدَ فِي ذَمِّهِمْ ، وَمَا وَقَعَ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْ وَصْفِهِمْ بِالْعِصْيَانِ أَوِ الْفِسْقِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لاَ أَهْلِيَّةَ فِيهِ لِلاِجْتِهَادِ ، أَوْ لاَ تَأْوِيل لَهُ (3) . وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ قَطْعِيَّ الْبُطْلاَنِ .
وَقَدْ بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ أَنْوَاعَ الْبُغَاةِ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ فِعْلِهِمْ ، أَوْ كَوْنُهُ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً كَمَا يَلِي:
(1) - روح المعاني 26 / 151 ، وسبل 3 / 407 .
(2) - سبل السلام 3 / 409 ، وروح المعاني 26 / 151 وحديث : " أتدري ما حكم الله فيمن بغي . . . " أخرجه الحاكم ( 2 / 155 (2662 )ـ ط دائرة المعارف العثمانية ) والبيهقي ( 8 / 182 ـ دائرة المعارف العثمانية ) وقال البيهقي : تفرد به كوثر بن حكيم وهو ضعيف .
(3) - نهاية المحتاج 7 / 382 .