أ - الْبُغَاةُ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْل الْبِدَعِ لَيْسُوا بِفَاسِقِينَ ، وَإِنَّمَا هُمْ مُخْطِئُونَ فِي تَأْوِيلِهِمْ ، كَالْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ : لاَ أَعْلَمُ خِلاَفًا فِي قَبُول شَهَادَتِهِمْ (1) . وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ . وَكَذَا إِنْ تَكَلَّمُوا بِالْخُرُوجِ لَكِنْ لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى الْخُرُوجِ بَعْدُ ، فَلَيْسَ لِلإِْمَامِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُمْ ؛ لأَِنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْجِنَايَةِ لَمْ يُوجَدْ . وَمِثَال ذَلِكَ : مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ ، مِمَّنْ عَصَى الإِْمَامَ لاَ عَلَى سَبِيل الْمُغَالَبَةِ ، مِنْ أَنَّهُ مَكَثَ أَشْهُرًا لَمْ يُبَايِعِ الْخَلِيفَةَ ثُمَّ بَايَعَهُ . يَقُول الْقُرْطُبِيُّ : وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ لَعْنَ الْبُغَاةِ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ وَتَفْسِيقَهُمْ . (2)
ب - إِنْ خَالَطَ الْبُغَاةَ أَهْل الْعَدْل ، وَتَظَاهَرُوا بِاعْتِقَادِهِمْ ، دُونَ مُقَاتَلَتِهِمْ جَازَ لِلإِْمَامِ تَعْزِيرُهُمْ ؛ إِذِ التَّظَاهُرُ بِاعْتِقَادِهِمْ ، وَنَشْرُهُ بَيْنَ أَهْل الْعَدْل دُونَ قِتَالٍ يُعْتَبَرُ مِنَ الصَّغَائِرِ . (3)
ج - إِذَا اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِمَامٍ ، وَصَارُوا آمَنِينَ بِهِ ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِظُلْمٍ ظَلَمَهُمْ إِيَّاهُ ، وَلَكِنْ لِدَعْوَى الْحَقِّ وَالْوِلاَيَةِ . فَقَالُوا : الْحَقُّ مَعَنَا ، وَيَدَّعُونَ الْوِلاَيَةَ ، وَلَهُمْ تَأْوِيلٌ وَمَنَعَةٌ ، فَهُمْ أَهْل بَغْيٍ ، فَعَلَى كُل مَنْ يَقْوَى عَلَى الْقِتَال مُنَاصَرَةُ الإِْمَامِ عَلَيْهِمْ . قَال ابْنُ عَابِدِينَ : وَمِنَ الْبُغَاةِ الْخَوَارِجُ .
وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ : إِذَا خَرَجُوا عَلَى الإِْمَامِ فَهُمْ فُسَّاقٌ (4) .
شُرُوطُ تَحَقُّقِ الْبَغْيِ :
يَتَحَقَّقُ الْبَغْيُ بِمَا يَلِي :
أ - أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُونَ عَلَى الإِْمَامِ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ شَوْكَةٌ ، وَخَرَجُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لإِِرَادَةِ خَلْعِهِ بِتَأْوِيلٍ فَاسِدٍ . فَلَوْ خَرَجَ عَلَيْهِ أَهْل الذِّمَّةِ لَكَانُوا حَرْبِيِّينَ لاَ بُغَاةً
(1) - المغني 8 / 117 .
(2) - حاشية ابن عابدين 3 / 309 ، ومواهب الجليل 6 / 278 ، وحاشية الدسوقي 4 / 298 ، وتفسير القرطبي 16 / 321 .
(3) - الأحكام السلطانية للماوردي ص 58 .
(4) - حاشية ابن عابدين 3 / 309 ، وحاشية الشلبي 3 / 294 ، والمغني 8 / 118 .